حياة باي.. العالم حدوتة أجمل إذا أدرج الإله فيها!

  • مقال
  • 11:44 صباحًا - 13 يناير 2013
  • 1 صورة



صورة من فيلم حياة باى

لم يكتف " حياة باي" بحقيقة كونه فيلم بصري من الدرجة الممتازة، شديد الثراء لدرجة الإتخام، خلاب التصوير لدرجة خطف الأنفاس.. لكنه أيضًا تخطى ذلك ليقدم إنجاز مُعجز في السرد السينمائي صيغ باقتدار لا تملك معه سوى التصفيق الحاد. هذا واحد من الأفلام القلائل الذي ضبط فيه نفسي فاغرًا فاهي كالبلهاء من شدة امتصاص العمل لي على المستويين السردي والبصري.

الفيلم كما يعرف الجميع مأخوذ عن رواية حققت أعلى مبيعات.. رواية لم يتصور أحد من القراء أنه من الممكن تحويلها إلى فيلم سينمائي، ولا حتى كاتبها نفسه (صرح يان مارتيل كاتب الرواية أنه دائمًا ما اعتقد أن روايته لا تصلح للسينما على الإطلاق، فهي غريبة، غير معتادة، وفي الغالب لن يتقبلها الجمهور بشكل جيد). فبعد كل شيء و(بدون زعل)، جمهور الكتاب أكثر ثقافة وخيالاً من جمهور السينما. أضف إلى هذا عقبة آخرى هي كم الصعوبات التقنية المطلوب تخطيها لتحويل أحداثها إلى فيلم نابض كهذا.

بعد واحد من أرق تترات البداية، يبدأ الفيلم بزيارة يقوم بها كاتب روائي ملحد يبحث عن فكرة لقصة جديدة إلى رجل من أصول هندية يدعى باي، طالبًا منه أن يروي له الأحداث الغريبة التي عاشها في صغره، والتي قال البعض للكاتب أنها ستعيده إلى واحة الإيمان مرةً آخرى. لكن باي يؤكد للكاتب بمنتهى التحضر أنه لا يقدر على غرس أفكار معينة عن الله في عقل أي شخص، وأنه فقط سيحكي له كل شيء، وله حرية الاختيار بعد ذلك.

بعدها ندخل إلى عالم الصبي باي الذي تربى وسط أسرة مكونة من أب ملحد، وأم متدينة، وأخ غنوصي. الصبي يميل للأديان عمومًا، لكنه لا يلتزم بدين معين.. تجده صباحًا يتعبد في كنيسة، ثم يصلي الظهر في مسجد، وفي النهاية اليوم يسمع قصصًا مقدسة من والدته عن ألهة الهندوس. يترعرع باي في حديقة حيوانات يملكها والده، حتى يأتي اليوم الذي يقرر فيه الأب فجأة الهجرة الى كندا مع الحيوانات على متن باخرة واحدة بعد أن حصلوا على عرض مغري لنقل حديقتهم إلى هناك. لكن لسوء الحظ - أو لحسنه لا نعرف - تتحطم الباخرة بعد أن تتعرض لعاصفة هوجاء، ليجد باي نفسه على متن قارب واحد مع حمار وحشي.. ضبع.. أورانج أوتان.. ونمر بنغالي يزن 450 رطل! هذا الآخير سيرافقه طيلة الرحلة التي استغرقت 227 يوم، والتي واجه فيها باي أهوالاً وشاهد عجائب تضاهي تلك التي خبرها السندباد في رحلاته الأسطورية.

نحن الآن أمام ملحمة من أروع ما يكون عن الكفاح والشجاعة والأمل والشك واختبار الإيمان والرغبة في الحياة والتغزل في الطبيعة، وكل ما تستطيع أن تستخلصه بنفسك من القيم النبيلة.

حسنًا، كل هذا جميل ويشكل فيلمًا عائليًا ممتعًا بامتياز، لكن الموضوع ينطوي على ما هو أعمق. قرب النهاية يقول باي للكاتب أن القصة التي قصها عليه لم تنجح في إقناع المحققين اليابانيين الذين أتوا لزيارته بعد نجاته لمعرفة ما حدث للسفينة وكيف نجى، وقد طلبا منه وقتها أن يصيغ لهما قصة آخرى أكثر واقعية لتناسب تقريرهما الرسمي. وهو الشيء الذي فعله باي بالفعل.. حكى لهم كيف أنه ظل مع والدته وطاهي السفينة ورجل آخر مكسور القدم في القارب، وانتهى الأمر بأن قتل الطاهي الرجل المصاب ليأكله، ثم قتل والدته لأنها صفعته على وجهه، وفي النهاية قام باي بقتله انتقامًا لوالدته. لقد ارتجل لهم باي رواية آخرى تقوم فيها أمه بدور الأورانج أوتان، أما الطاه فهو الضبع الذي قتل أمه وأكل البحار الجريح - ذلك الذي يمثل الحمار الوحشي ذو القدم المكسورة -، أما النمر فيها فهو باي ذاته!. أصبح كل ما حدث للحيوانات يحدث الآن للناس، وبات كل شيء منطقيًا بعد أن كان غير ذلك في الرواية الأولى.

يسأل باي بعد ذلك الكاتب أي القصتين يفضل - على علم أنه لن يعرف أبدًا أيٌ منهما القصة الحقيقية - فيجيب بأنه يفضل قصة الحيوانات. هنا فقط يقول له باي بمنتهى البساطة أن الأمر مماثل حين تطبقه على الله.

الخدعة الخبيثة هنا أن المشاهد أيضًا لن يعرف أبدًا ما الذي حدث بالفعل.. باي هو الناجي الوحيد، وهو يحكي لك القصة كما يتذكرها. الماديين سيفضلون القصة الأكثر واقعية، بينما الآخرون سيفضلون قصة النمر، فهي تجعل الأمور أفضل.

وهذا هو بالضبط ما أراد أن يرسخ له الكاتب يان مارتيل والمخرج أنج لي من خلال "حياة باي". العالم يصبح حدوتة أجمل إذا أدرج الإله فيها، حدوته أروع وأكثر ثراءً وأكثر إمتاعًا ومليئة بالأمل.

لكن هذا لا يمنع الإعتراف بأننا لا نستطيع أن نثبت بالبراهين العقلية الجازمة - التي لا تقبل الشك - وجود القوة العظمى المتمثلة في الله من عدمها. لذا يستحيل إقناع الملحدين بالبرهان العقلي وحده أن إلحادهم خاطئ.

ومن جهة أخرى لابد للملحدين من الإعتراف أيضًا أنهم هم لا يستطيعون أن يبرهنوا بالأدلة العقلية الجازمة أن فكرة وجود الرب المطلق كلي القدرات الذي نؤمن بوجوده هو مجرد وهم، أو محض خيال.

لذا، وانطلاقًا من هذه المبدأ، فإن الإيمان والإلحاد كلاهما متساويين، وكلاهما لا يرتكز على براهين عقلية. إنهما موقفان يختارهما الانسان انطلاقًا من نظرة أساسية شاملة إلى الكون والحياة. فالإيمان يرتكز على نظرة إيجابية، نظرة ثقة بالكون والحياة، بينما يرتكز الإلحاد على نظرة سلبية، نظرة شك وتشاؤم بالكون والحياة. لا علاقة للعلم بالأمر كما يدعي البعض، فهناك علماء كبار ملحدين، وآخرون - أكثر أهمية - مؤمنين.

الجميل أيضًا في الفيلم أنه حين تحدث عن الإيمان لم يتحيز إلى دين معين، أو إله معين، فقط حاول الإنتصار لفكرة وجود الإله، فأزمة الإيمان المطروحة بقوة عالميًا الآن، ليست صراع بين دين وآخر مثلما كان يحدث في الماضي، فقد تحول الصراع إلى دين ولا دين، بين هؤلاء من يدعون أن الكون مادي بحت لا وجود لقوى غيبية فيه، وبين هؤلاء من يؤمنون بأن هناك قوى عظمة خلف كل هذا.

لكن من ناحية أخرى، يجب الإقرار أن الفيلم مخادع ومطاط للغاية، وليس من السهل أبدًا كشف جميع الرموز الموجودة فيه، ولا حتى العبرة التي أراد الكاتب أن يوصلها للمشاهد. السرد السينمائي للفيلم سيجعلك تغير رأيك في أساليب السرد السينمائي المعروفة، فهو - ولك أن تتعجب - يقبل وجهتي نظر متضادتين تمامًا، ويجعل كلٍ من المؤمنين والملحدين يظن أن العمل ينتصر له.

أنه فيلم مراوغ للغاية، وسيتشكل حسب ما تريد له أن يكون. أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي وراء فوز الكاتب يان مارتيل بجائزة البوكر عام 2002 عن الرواية التي أخذ منها الفيلم، ثم ترشيح العمل نفسه بعد ذلك لإحدى عشر جائزة أوسكار... أنه يفتح الباب للاختيار، في عالم يريد الجميع منك أن تكون نسخة نمطية منهم. هذا فيلم لا أظن أنه سيخيب ظن أحد، على الرغم من كونه واحد من أغرب الأفلام التي قد تراها في حياتك.
أمور تقنية: للمهتمين فقط:
الآن، لنترك كل هذا الهراء الفلسفي جانبًا، ولنتحدث قليلاً عن صناعة الفيلم نفسه. بالتأكيد استخدم أنج لي الكثير والكثير من خلفيات الكروما لإضفاء رؤيته البصرية الخاصة بعد ذلك في غرف المؤثرات، وأن معظم ما ستشاهده في الفيلم ليس تصوير فعلي في الحقيقة.. لكن هذا لا يمنع أنك ستشاهد أنشودة بصرية غاية في الصفاء والتجلي. انس تمامًا كل ما شاهدته سابقًا، فعندما أخبرك أن هناك مثلأً مشهد لعاصفة ضمن الأحداث، لا تستدعي أي مشهد مماثل من الذاكرة من أي فيلم شاهدته سابقًا، لأن الموجود هنا يختلف كليًا.. لا أتحدث بالطبع عن الإبهار الأجوف الذي يرتفع سقفه باضطراد مع كل فيلم كوميكس جديد. إنما أقصد هنا توظيف كل مهارات الصنعة السينمائية للخروج بمشهد جبار تصويرًا، وتمثيلاً، وتوجيهًا، وكل شيء.

بصريًا، الفيلم مشبع (تقرأها بالفتحة أو الكسرة لا يهم).. ويقدم احتفالية كبرى بالطبيعة ومخلوقاتها.. كم الحيوانات التي ستشاهدها هنا لن تشاهده في أي مكان آخر خارج وثائقيات ناشيونال جيوجرافيك. وستسأل نفسك ماذا بعد وجود حمار وحشي، أورانج أوتان، ضبع، نمر بنغالي، وإنسان على متن قارب واحد! من يجرؤ أصلاً على الخوض في حبكة مثل هذه، وكيف سيقنع بها الجمهور، وإذا أقنعهم بها قصصيًا، كيف سيقدمها على الشاشة.

ستصعق بالتأكيد عندما تعلم أن الممثل الهندي الشاب سوراج شارما الذي قام بدور باي وهو صبي، لم يجتمع قط مع نمر حقيقي في قارب واحد خلال التصوير.. وأن النمر الحقيقي استخدم في مشاهد قليلة للغاية، أهمها اللقطات التي كان يسبح فيها في الماء. أما غالبية المشاهد التي ظهر فيها النمر في الفيلم استخدم لصنعها نوع متطور للغاية من الصور المخلقة حاسوبيًا CGI. هذا مخلوق رقمي لم يظهر مثله أو غيره بمثل هذه الروعة من قبل على الإطلاق، في الحقيقة لا شيء يضاهي "ريتشارد باركر" النمر البنغالي ذو الاسم الغريب، لا دينوصورات الحديقة الجوراسية، ولا المخلوق جولوم من ملك الخواتم أو الهوبيت، ولا كينج كونج من نسخة بيتر جاكسون المذهلة.

لن تشعر للحظة واحدة أنك تشاهد مخلوق رقمي، ولا للقطة واحدة. لك أن تتخيل الصعوبة التقنية في الجمع بين لقطات مصورة لنمر حقيقي، وآخرى لنمر مخلق حاسوبيًا. المرجعية البصرية هنا كانت في أقصى تحدٍ لها. عندما تستخدم حيوانًا حقيقيًا أثناء التصوير، وتطلب استكمال لقطاته الآخرى رقميًا، فأنت تضع فريق مؤثراتك أمام تحدٍ بالغ الصعوبة، أنت تقول لهم ضمنيًا: يجب أن تحاكو عمل الرب.

لو حدث مثلاً أن كل المشاهد استخدم فيها نمر حقيقي، أو العكس، لكان هذا أسهل بكثير. فالمُشاهد لن يعقد مقارنات بين لقطة وآخرى ليقول هذا حقيقي وهذا لا. التحدي الأكبر قبل هذا كان في فيلم الحديقة الجوراسية، حيث كان يجب ملء الفجوة بين الديناصورات المخلقة حاسوبية ونماذج ستان وينستون الميكانيكية. إلا أن هذا لا يمكن مقارنته بالذي تم إنجازه في "حياة باي"، وهذا لسببين،: أولاً في حالة النمر نحن نتحدث عن مخلوق حقيقي بشحم ولحم وروح وليس نموذج ميكانيكي. وثانيًا، الدينوصورات لا تمتلك فراء! وما أدراك ما الفراء. المادة الأكثر مراوغة التي يكره أن يعمل عليها أي فريق مؤثرات مهما بلغ احترافه (15 فنان كانوا يعملون على فراء النمر، وهذا للتحكم في العشرة ملايين شعرة التي تغطي جسده بأكبر قدر ممكن من الواقعية).

أما السبب الرئيسي في استخدام النمر البنغالي الحقيقي في مشاهد الماء، أن الفراء أو الشعر المبتل هو من أصعب المؤثرات البصرية تنفيذًا التى يريد لها صانعوها أن تظهر بطبيعيه وتكون واقعيه على الشاشة.. المزج بين هذين العنصرين مستحيل تقريبًا، ودائمًا ما يظهر مفضوحًا.

هذا ناهيك طبعًا عن باقي حيوانات الفيلم، وخلفياته، ومشهد الحلم الأكثر تعقيدًا.. لقد شكل "حياة باي" تحديًا بصريًا يفوق الوصف، نجح فيه فريق المؤثرات عن جدارة.

ووسط كل هذا، لم يغفل أنج لي عامل الإثارة التشويق الذي قام بدور الفلفل الحريف.. نعم يا صديقي، ستقفز من على مقعدك في دار العرض أكثر من مرة.. ستنفعل وتشهق وتصفق وتضحك وتبكي وتتأمل.. "حياة باي" لن يترك خلجة مشاعر واحدة بداخلك إلا وسيستفزها، حتى تلك التي لم تكن تعلم بوجودها أصلاً.



تعليقات