شكوكو.. ملك المونولوج الذي صُنعت له تماثيل

  • مقال
  • 04:09 مساءً - 21 فبراير 2014
  • 1 صورة
  • 95,134 مشاهدة



شكوكو.. ملك المونولوج الذي صنعت له تماثيل

لم يكن محمود شكوكو من جانات السينما المصرية الذين تجري وراءهم المعجبات، أو مطربا يؤدي أغنيات عاطفية ينتزع منها الآهات، ورغم ذلك كان نجما في عصره، وكانت له شعبية تفوق العديد من النجوم، ولم تكن تلك الشعبية من فراغ، فيكفي أنه أول من أعاد إحياء فن الأراجوز، وساهم في إنشاء مسرح العرائس، وكان ملكا متوجا على عرش فن المونولوج، وقد وصلت شعبيته لدرجة أنه كان أول فنان يُصنع له تمثال يباع في القرى والمدن، كما كان أول فنان يطلق اسمه على محطة أتوبيس، وهي محطة المسرح القومي بكامب شيزار بالإسكندرية، وأول فنان تظهر صورته على علب الكبريت.
وفي ذكرى وفاته نبعث بتحية حب وتقدير للفنان الشامل الذي أعطى للفن أكثر من 50 عاما من عمره فاستحق أن يكون شارلي شابلن العرب.

أبو دم خفيف
في الأول من مايو والعالم يحتفل بعيد العمال، ولد محمود شكوكو عام 1912 في حارة في الدرب الأحمر، لأب يعمل نجارا و12 أخ وأخت، وكان يتميز منذ طفولته بخفة الدم الواضحة، لهذا كان محبوبا من الجميع، كما كان موهوبا في التقليد، فكان يقلد أهله والجيران والأصدقاء، حتى الطيور والحيوانات كان يقلدها.
لم يذهب شكوكو للمدرسة، وإنما عمل منذ طفولته في ورشة أبيه للنجارة، وعلى الرغم من تميزه فى صنعته، إلا أنه كان يحب الغناء والتقليد، ولكنه لا يعرف كيف يبدأ طريقه، حتى وجد فرصته الأولى من خلال فرقة موسيقية كانت تجلس فى مقهى بجانب ورشة النجارة، حيث كان أفراد الفرقة يجتمعون في المقهى لإجراء البروفات وضبط الآلات الموسيقية التي يحملونها قبل الذهاب للأفراح والمناسبات، فكون صداقة مع أعضاء الفرقة، وكان يذهب معهم في كل المناسبات والأفراح بعد انتهائه من عمله في الورشة، ونجح في إقناعهم بموهبته، فكان في البداية يلقي بعض الأغنيات البسيطة، بعدها بدأ يرتجل بعض المونولوجات والنكات، فبدأ الجمهور يتجاوب معه، وفي فترة قصيرة أصبح أهم عضو في الفرقة.

علي الكسار
في تلك الأثناء شاهده بالصدفة علي الكسار في إحدى الحفلات، فأعجب بأدائه المميز للمونولوجات، وصمم على ضمه لفرقته، حيث أدخل لأول مرة نظام إلقاء المواويل والفكاهات والمونولوجات بين فصول المسرحية التي تؤديها الفرقة وأسندها لشكوكو الذي نجح فيها بشكل كبير، وفي نفس الوقت استمر في تقديم مونولوجاته وأغانيه الفكاهية في الحفلات والموالد والأفراح.
ومع النجاح الكبير الذي حققه، فكر في أن يخطو خطوة أكبر، فكون فرقة استعراضية مع سعاد مكاوي و ثريا حلمي، وقدم معهما أجمل المونولوجات، بعدها قام بتأجير سينما كليبر الموجودة في شارع فؤاد بوسط البلد، وقام بتحويلها لمسرح يحمل اسم فرقة محمود شكوكو الاستعراضية، وعلى هذا المسرح قدم أعمال مسرحية استعراضية.

بلبل الإذاعة
رغم النجاح والشهرة التي حققها شكوكو، إلا أن نقطة التحول في حياته جاءت عن طريق الإذاعي الكبير محمد فتحي أو بلبل الإذاعة كما كان يطلق عليه، حيث شاهده في إحدى الحفلات الخاصة، وعرض عليه تقديم مونولوجاته من خلال الإذاعة فوافق، وبهذا أصبح أول مونولوجست يقف أمام ميكروفون الإذاعة، التي كانت بمثابة فاتحة خير عليه، فحقق مزيدا من النجاح والشهرة، وقد وصلت شهرته لدرجة أن صحف المعارضة كانت تنشر صورته بجوار صورة الزعيم مصطفى النحاس وتكتب تحتها "أيهما صاحب الأغلبية"، وذلك لشهرة شكوكو الكاسحة.

المقاومة الشعبية
لم يكن الفن الذي يقدمه شكوكو أحد وسائل الترفيه فقط، بل كان أيضا أحد وسائل المقاومة الشعبية للاحتلال الأجنبي، حيث كانت تُصنع له تماثيل تجسد شكله، ويتم استبدالها مع الباعة بالزجاجات الفارغة التي كان يجمعها أفراد المقاومة ويملأوها بعد ذلك بالمواد الحارقة لتصبح قنابل مولوتوف يلقونها على جنود الاحتلال، وكان الباعة ينادون "شكوكو بإزازة"، وحتى بعد انتهاء الاحتلال على مصر استمر الإقبال على شراء هذه التماثيل التي كانت من الألعاب المفضلة للأطفال والصغار.

ابن البلد الجدع
النجاح الذي حققه في تلك الفترة كان جواز مروره للسينما، خاصة أن جمهور السينما في تلك الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كان معظمه من الطبقات الشعبية، فبحث صناع السينما عن نموذج البطل الشعبي الذي يتسم بالرجولة والشهامة والجدعنة، ووجدوا ضالتهم في محمود شكوكو لما لديه من شعبية كاسحة بين الطبقات الشعبية، وكانت البداية على يد المخرج نيازي مصطفى الذي قدمه في فيلمين متتالين هما حسن وحسن و شارع محمد علي في شخصية ابن البلد الجدع، واستمر شكوكو في تقديم هذه الشخصية في كل الأفلام التي قدمها لاحقا سواء كان بطلا أو ممثلا مساعدا، ومن أهم تلك الأفلام " شباك حبيبي" حيث قدم فيها دور ابن الحارة الشعبية الذي يقف بجانب أصدقائه، " الأسطى حسن" وقدم دور صديق فريد شوقي الذي يقف بجانبه، " بائعة الخبز" والذي جسد فيه عامل في مخبز بلدي، بالإضافة لأفلامه الكوميدية الجميلة مع إسماعيل يس ومن أهمها " قلبي دليلي"، " عنبر"، و" ليلة العيد".
وعلى مستوى البطولة، قدم أيضا عدة أفلام لعل أشهرها "شمشون ولبلب" مع سراج منير، حيث جسد دور البطل الشعبي المحبوب.

شارلي شابلن العرب
لم تؤدِ نجاحات شكوكو في السينما إلى اعتزاله المونولوج، كما فعل إسماعيل يس و حسن فايق، بالعكس استمر في تقديم مونولوجاته الناجحة، وكان يطور فيها ويبتكر أفكارا جديدة، ومن المونولوجات التي حققت نجاحا كبيرا، ولانزال نذكرها حتى الآن "أشوف وشك تومورو"، و"حبيبى شغل كايرو"، وكان يؤدي هذه الأعمال بالزي الشعبي الذي اشتهر به وهو الجلباب البلدي والطاقية الشهيرة، ولم تقتصر شهرة شكوكو على مصر والبلاد العربية فقط، إذ كان يسافر للخارج لتقديم مونولوجاته الرائعة، وفي إحدى المرات عندما سفر لألمانيا لتقديم حفلاته، وصفته الصحف الألمانية بأنه شارلي شابلن العرب، وأصبح من حينها مشهورا بهذا اللقب.

شكوكو والسياسة
بقدر ما كان شكوكو محبوبا من البسطاء والفقراء، كانت له مكانة خاصة عند الرؤساء، ومن القصص الطريفة في هذا الإطار أنه في منتصف الأربعينات كان في إنجلترا، وعاد من هناك بسيارة "سبور" جديدة ماركتها رالي ولونها أحمر، وما إن ظهرت بجمرك الإسكندرية حتى تم الحجز عليها، ومنعها من الدخول بسبب لونها الأحمر الملكي الذي كان حكرا على الملك فاروق، فقام شكوكو بالاتصال بالنحاس الذي أبلغ الملك رافعا له استغاثة شكوكو، فأجاز له قيادة السيارة قائلا " شكوكو بس اللي يركب عربية حمراء".
ومن الملك فاروق إلى الرئيس السادات الذي كان معجبا بفن شكوكو، وقام بمنحه جائزة الدولة التقديرية في عيد الفن تقديرا له، وكانت فرحة شكوكو عارمة بهذا التقدير حتى أنه ظل أياما قبل الحفل يحفظ كلمته المليئة بالمشاعر الفياضة، والتي سيقولها في حضور الرئيس أثناء تسلمه الجائزة، لكن لحظة أن مد يده بالسلام تبخرت الكلمات، فقال له مرتجلا " ساعة ما بشوفك بيروح مني الكلام وانساه" فتعالت الضحكات واحتضنه السادات مهنئا.

يا دابحة قلبى بإزازة
تعامل شكوكو مع كبار الشعراء والملحنين، وعلى الرغم من أنه كان يكتب معظم المونولوجات التي يؤديها بالفطرة مع أنه لا يجيد القراءة والكتابة، إلا أن هذا لم يمنعه من التعاون مع كبار الشعراء منهم الشاعر بيرم التونسي، كما لحن له الموسيقار محمد عبدالوهاب، وكان لتعاونهما قصة طريفة، فعندما لحن عبدالوهاب أوبريت " كلام جميل" من فيلم عنبر، وأدى شكوكو الجزء الخاص به والذي يقول " من ناحية قلبي ونار قلبي باتحبب موت وحبيبي لو غاب يوم عندي هرقع ميت صوت" أعجب عبدالوهاب بأداء شكوكو وقال له " يا محمود صوتك فيه بحة عاجباني وعاوز ألحن لك حاجة تانية" فسارع شكوكو يعرض عليه كلمات كان يحتفظ بها أعجبت عبدالوهاب، فلحن له " يا دابحة قلبي بإزازة لماذا الظلم ده لماذا".

مبتكر مسرح العرائس
لم يتوقف إبداع شكوكو عند المونولوج أو التمثيل فقط، إذ يعود إليه الفضل أيضا في إحياء هذا الفن الذي تعلم فنونه في بداية الأربعينات، فقرر إحياء هذا الفن، ولكن بشكل أكثر اتساعا من خلال إنشاء مسرح للعرائس، وشجعه على فكرته فنان العرائس الكبير "صلاح السقا"، وبالفعل أنشأ مسرحا للعرائس ليكون صاحب أول مسرح للعرائس في مصر، وكان أجمل ما في الأمر أنه يصنع هذه العرائس بيده، حيث استغل خبرته في العمل مع والده في ورشة النجارة في صنع تلك العرائس.

محنة المرض
استمر شكوكو يقدم مونولوجاته وأعماله المسرحية والسينمائية، ولم يمنعه التقدم في السن من مواصلة إبداعاته، وفي صيف 1984 وأثناء مشاركته في مسرحية "زقاق المدق" بدأ يشعر ببعض المتاعب الصحية، كما ساءت حالته النفسية بعد وفاة زوجته التي كان يحبها كثيرا، وفي وقت قصير تدهورت حالته الصحية، وتم نقله إلى المستشفى وهو يعاني من حساسية صدرية شديدة، وبعد 3 أسابيع فقط من وجوده في المستشفى توفى في يوم 21 فبراير 1985، ليفقد الفن واحدا من أبرز نجومه الذين أثروا السينما والمسرح والإذاعة وفن المونولوج بأعمال عظيمة.

الأكثر مشاهدة


تعليقات