سابع جار .. خطيئة أن تكون مختلفًا في مجتمع يقدس الثوابت!

  • نقد
  • 11:53 صباحًا - 25 ديسمبر 2017
  • 7 صور
  • 25,506 مشاهدة



انتهت أحداث الحلقة الـ47 من مسلسل سابع جار، بإعلان خطبة هبة "سارة عبدالرحمن" على النجم السينمائي الشهير "تامر هاشم"، الكل يحسدون "هبة "على وقوع هذا الشاب الوسيم المشهور في حبها واختياره لها لتكون شريكته في المستقبل، إلا أن هبة نفسها لم تستطع أن تُخفي توترها وترددها وكأنها تسأل نفسها: هل هذا كان الاختيار الصحيح؟ هل هذا ما انتظرته؟

هبة واحدة من أهم شخصيات المسلسل الذي أحدث عرضه دوي غير مسبوق يدل على حالة الارتباك والتشوش والتشوه التي يعيشها المجتمع المصري، الذي أصبح يحاكم شخصيات الأعمال الفنية محاكمات أخلاقية و"ناقص شوية" ويحكم بالإعدام على الممثل الذي يلعب دور قاتل أو إرهابي في مسلسل تليفزيوني أو فيلم سينمائي، أو يطالب بجلد من تقدم شخصية فتاة متحررة!

بينما يغض بصره على ما يحدث في الحياة الواقعية من فساد وتحرش واغتصاب وزني محارم وانهيار في نظام التعليم وخلل في منظومة العدالة وغيرها من كوارث إنسانية حقيقية؟؟ ونعود إلى حالة هبة "سارة عبدالرحمن" التي تمثل حيرة نسبة كبيرة من الفتيات في مصر، فهى ترفض أن تكون نسخة من أمها أو خالتها أو شقيقتها "دعاء" المُنسحقة بدون سبب، وتخوض رحلة ممتدة للبحث عن زوج ولديها استعداد تام لترك عملها كطبيبة من أجل عيون هذا الزوج الذي لم يظهر بعد، كما ترفض "هبة" كل أشكال النفاق الاجتماعي فهى صريحة جريئة مقتحمة، بسيطة واضحة، لديها قدر من الفضول لخوض بعض التجارب الإنسانية كأن تدخن سيجارة حشيش مثلًا، ولكنها لا تتورط في علاقة غير شرعية، وتفهم أن هناك مستويات واشكال مختلفه تجمع بين الرجل والمرأة، وتستوعب الفرق بين الصداقة والزمالة والحب، ويمكن أن تجلس لساعات طويلة مع شاب تتبادل معه أحاديث متنوعة دون أن يخطر ببالها أو فى باله أن يمارسا أي من أشكال الجنس لمجرد أنهما يجلسان بمفردهما، وربما هذا بالذات ما سبب إزعاجًا لبعض المتحفظين أو من يدعون الفضيلة حيث أن فكرة أن يختلي شاب بفتاة دون أن يحدث بينهما ما هو متوقع أمر يحدث خللًا فى اذهانهم وكأنهم يتساءلون أين ذهب الشيطان اذن؟ و"ليه مش شايف شغله" وينفون بذلك فكرة أن المرأة كائن له إرادة تتيح لها أن تضع حدودًا بينها وبين أي شاب وتلزمه أن يظل في خانة الصداقة أو الزمالة ولكنها بإرادة حرة أيضًا يمكن أن تستجيب لعلاقة حب مع شاب آخر وتتحمل تبعات إختيارها مثلما حدث مع مي هديل حسن التي حملت من حبيبها أحمد، ولكنها رفضت الزواج به سرًا، وقررت أن تطرده من حياتها رغم حبها له وتعلقها به.

الميزة الأكثر وضوحًا في مسلسل "سابع جار" أنه يقدم نماذج متنوعة للمرأة صاحبة الإرادة، فهى يمكن أن تختار أن تكون زوجة وأم صارمة، وتضحي بعلاقتها الحميمية مع زوجها وتعامله وكأنها ناظرة مدرسة لا تسمح بغير الإلتزام والإنضباط كما فى حالة نهى "هيدى كرم"، أو تكون ليلى "شيرين" التي تختار أن تظل على ذمة زوجها مجدي "محمود البزاوي" رغم أنه نصاب ويتسبب في كثير من المشاكل لعائلته ولكن حبها له يجعلها تتغاضى عن كل عيوبه، أما ابنتها الشابة الجميلة هالة "رحمة حسن فهى ناجحة في عملها ولكنها تشعر بحاجتها لأن تصبح أمًا قبل أن تفقد قدرتها على الإنجاب، فتختار أن تتزوج فقط لتستمتع بنعمة الأمومة.

بينما كريمة "صفاء جلال" التى كانت تعيش ماض غير مشرف، فهى تختار أن تظل في خدمة اللواء المتقاعد "أسامة عباس" وهو ما يتيح لها حياة محترمة وترفض تمامًا الإستجابة لكل أشكال الإغراء والتهديد كي تعود لحياتها السابقة!

إذن كل النماذج النسائية فى المسلسل، وهى متعددة ومختلفة، يجمع بينها صفة إيجابية، هى القدرة على الإختيار وتحمل تبعات هذا الإختيار بشجاعة، وهو ما جعل من مسلسل "سابع جار" هدفًا لسهام أدعياء الفضيلة الذين يفضلون أن تظل المرأة أسيرة للتقاليد المتوارثة ولسيطرة الرجل ورغباته ولنظرة المجتمع التي لا ترى في المرأة سوى تابع مهما كان نجاحها المهني أو استقلالها الاقتصادي.

والغريب أن كثير من النساء يشاركون أيضًا في الهجوم على المسلسل من منطلق أنه يكشف ضعفهن واستسلامهن للأفكار السائدة في مقابل نموذج آخر من النساء واتتهن الشجاعة لرفض ما قبلن به، بل أن الهوس والتعصب الذي يعانى منه بعض أفراد مجتمعنا دفعهم لاتهام "سابع جار" بمحاولة تشويه المحجبات، وإذا سألت أحدهم: وما دليلك على هذا الجرم؟ تكون الإجابة أنه قدم نموذج المحجبة الملتزمة دعاء "فدوى عابد" تفشل في العثور على عريس بينما شقيقتها هبة "اللي بتشرب سجاير ومش محجبة وشعرها كيرلي، تنال إعجاب كل من يلتقي بها من الشباب ويتمناها زوجة!!

هذا من حيث المضمون الذي قدمه "سابع جار"، أما من حيث الشكل، فقد اختار فريق العمل المكون من ثلاث مخرجات شابات "هبة يسري وأيتن أمين، ونادين خان"، اختيار أسلوب أقرب إلى الواقع اليومي للعائلة المصرية المتوسطة، الحوار ممتع وبسيط وحقيقي وكأنه معجون على شفاه الشخصيات وليس كلامًا مكتوبًا فى سكريبت، فكل شخصية تتحدث بطريقتها وفق منطقها ومستواها الثقافي، هناك رفض تام لتقديم الأنماط التقليدية سابقة التجهيز، بالإضافه لأهم ميزة في المسلسل وهى أنه لا يحاكم شخصياته ولا يدينها ولا يقسمها إلى شخصيات طيبة سلوكها منضبط وآخرى شريرة منحرفة السلوك!

وعلى هذا فهو لا يعاقب من أخطأ، ولا يحتفي بالملتزم إخلاقيًا، يعنى لا تنتظر مثلًا أن تصاب "مى" بالعمى أو "تولع" في شقتها لأنها أحبت شابًا وحملت منه، ولا تنتظر أن تصاب هبة فى حادث سير لمجرد إنها دخنت سيجارة حشيش على سبيل التجربة!

هناك حالة من الكوميديا الساخرة النابعة من المواقف ،وليست الكوميديا اللفظية القائمة على إلقاء الإفيهات! أما فريق التمثيل فقد وصل الى قمة التألق وسوف تلحظ أداء غير مسبوق لنفس تلك الشخصيات في أعمال سابقة بحيث نستطيع القول أن المسلسل أعاد إكتشاف دلال عبدالعزيز، وشيرين ومحمود البزاوي وهيدى كرم وصفاء جلال، وكان فرصة لتألق كل من سارة عبدالرحمن، نيقولا معوض، محمد علاء ورحمة حسن، أحمد داش، ومحمود الليثي وهديل حسن وفدوى عابد.

ديكورات المسلسل مناسبة جدًا لمستوى كل أسرة على حدة، على عكس من قال إن المسلسل يفتقد إلى المستوى الفني وأن حركة الكاميرا كسولة، عليه أن يتابع بدقة ما يحدث في مقدمة أي كادر والحركة في عمقه وخاصة في مشاهد لقاء هبة وطارق في البلكون وحركه بقية أفراد الأسرة التي تظهر في الخلفية، والمشاهد كثيرة ومتنوعة والنقلات بينها سلسلة لا تحتمل لحظات الملل، ورغم أن الأحداث لا تعتمد على دراما الصدمات أو الصراعات العنيفة، فهى مثيرة وساخنة وتخلق لديك رغبة في المتابعة ومعرفة ماذا بعد، وعلينا أن نستوعب أن الفنون ليست أنماطًا تقليدية صماء، وأن أعمال كثيرة كان نجاحها نابعًا من تمردها على الأشكال التقليدية وتلك واحدة من مميزات وسحر الفنون.

سابع جار مسلسل مختلف حقق نجاحًا ملحوظًا وانقسم الرأي حوله بين مشجع ومعارض وهو أمر حيوى يعتبر ميزة إيجابية للمسلسل، ويبقى أن نشيد بإختيار أغنية تترات المقدمة التي تعتمد على توزيع عصري لأغنية "من حبي فيك يا جاري" التي قدمتها في الخمسينيات المطربة حورية حسن.


الأكثر مشاهدة


تعليقات