"The Con Is On" ودرس في صناعة الأفلام السيئة

  • نقد
  • 06:05 مساءً - 13 سبتمبر 2018
  • 2 صورتين



من البديهي معرفة أن السيناريو هو الأداة التي تخلق الدراما، أما عنصر الإخراج فهو الميكانيكا التي تحرك تلك الدراما، متحكمة في طريقة بثها للمتفرج. بهذه الاستهلالية يمكن التطرق بسهولة إلى إخفاقات فيلم "The con is on" والمعروض تحت اسم أخر هو " The Brits Are Coming"، فالدراما التي صنعها السيناريو دراما مستهلكة إلى أقصى حد، قصة كلاشيهية، مفارقات سخيفة، مشاعر مصطنعة، وعن ميكانيكا الدراما، فالإخراج كان أقرب للتلفزيوني منه إلى السينمائي، بل أنه أحيانًا كان يحاكي أجواء السيت كوم في تصميم بعض المشاهد، إلا أنه كان يعجز حتى على سلب الابتسامات، وعلى هذا الصعيد -الكوميديا- ينبغى حقًا أن نتسائل عن ماهية الفيلم، هل هو هزلي؟ أو يحاول أن يتطرق للكوميديا؟ في الحقيقة محاولات الفيلم -جميعها- لم تكن واضحة المعالم حتى نقول أنها كانت تؤول إلى الفشل، الفيلم فاقد لشخصيته وهويته، لا روح له، ولا جسد، حتى حبكته نفسها كانت مساراتها مهتزة، وعقباتها سخيفة ومضحكة، فالحقيفة أن الفيلم سيعطي لك مساحة لا بأس بها من أجل الضحك، ولكن ليس لطزاجة نكاته، بل لسذاجة عناصره.

يبدأ الفيلم بمحاولات متقطعة وغير مترابطة من أجل إرساء حبكته، وبعناء -رغم بساطتها- تظهر معالمها، ونبدأ في إدراك المسار الذي سنخطو فيه نحو النهاية (كما هو الحال مع أي فيلم يحمل حبكة)، إلا أن المسار يبدأ في التعرج قليلًا، فيتغير تفكير الشخصيات بلا هوادة، كأنهم روبوتات تحوم بلا مرجعية عقلانية، وبلا دوافع حقيقية، فقط من أجل الاستطالة في مسار الحبكة الرئيسي، ولا يجدر بنا أن نسمي هذه التغيرات بمسمى التحولات الدرامية، ليس فقط لأنها بدون مبرر، بل لأنها أيضًا لا تحمل بنية التحولات الدرامية أصلًا، هي مجرد تغيرات قسرية من الكاتب من أجل خدمة عقبات الحبكة، وزيادة رقعة الزمن الممتد في استعراضها، ولم تكن تلك -التغيرات القسرية- هي الآلية الوحيدة التي تعمق الزمن وتستطيل الأحداث، بل أيضا تم اللجوء إلى اقحام بعض الشخصيات الثانوية، والتي لا قيمة لها، ولا معنى، ولا ثقل طبعًا، اللهم إلا أنها مجدية في تنمية العقبات للشخصيات الرئيسية، أو إيجاد مخرج لها، مجرد شخوص منزوعة الدوافع، متوحدة الابعاد، كل الهدف من وراءها خدمة الحدث وتمديده، لا خدمة الدراما وأثقالها.

أوما ثورمان لم تكن صاحبة اﻷداء الأسوأ، لكنها عانت من تجسيد شخصية مكتوبة بحماقة، فاقدة للمعالم، وغائبة الحضور، على رغم من نشاطها وعصريتها، شخصية فقيرة دفعت الممثلة التي تجسدها إلى خمول رهيب، وفرار من أي محاولة اجتهاد، وربما محاولات الاجتهاد التجسيدي - في ممثلي الفيلم عموما- كانت عبارة عن مبالغات شاطحة، بل أحيانًا كنت لتشعر أنهم -الممثلين- بعيدين كل البعد عن مراكز شخصياتهم، ربما لأنهم لم يجدوها أصلًا، فتاهوا جميعًا في ثياب الشخصيات، كما تهنا نحن في رحلة المتابعة. صحيح أنه من المنطقي أن تحتار مع الشخصيات، خصوصا عندما تكون مركبة، لكن شخصيات " The Brits Are Coming" بالتأكيد أبعد ما تكون عن ذلك، هي أجساد ممسخة، تركيبة بالية، عقل مشوه يجذب بعض الأشلاء ويتحرك بها، مجرد أساسات ساذجة لشخصيات قدمت من قبل مئات المرات في السينما، مع قدرة منعدمة على اتمام البناء. باختصار أداءات تمثيلية فاقدة التواصل مع المشاهد، بعيدة عنه كما هي بعيدة عن الشخصيات المكتوبة، والتي هي أصلًا مكتوبة بحروف مشوهة او ممحاة!

على هامش ذلك، هناك بعض التفاصيل التي تستدعي التأمل، وليس هذا لجمالها، بل لغرابتها، أو قل لسخافتها، وأقصد هنا تشويه سمعة الشخصيات السيئة بكل الطرق الممكنة، أي خطوات الفيلم للترهيب والتحذير من "شخصيات الشر" إن جاز التعبير، بأن نشعر بفجاجة وقذارة المواقف التي تنشأ من تلك الشخصيات، كشخصية القس أو الراهبة التي ظهرت في مطلع الفيلم، وأمر الاعتراض هنا ليس أخلاقي، بل هو فني، وفني بحت، فمشكلة الدراما هنا انها رخيصة جدًا، تسعى للربط بين رموز دينية وأمور بذيئة، حتي يشعر المتفرج بالانزعاج، فيظن أن الفيلم يحمل دراما مؤثرة، وهو أمر لا قيمة له ولا تأثير، خصوصًا أن الفيلم لا يعالج شيئًا، هو يتفرج على كل حدث بشكل بخيل، وعيون غير محددة الأهداف، فلا ندري بأي عدسة نحن نتلقى هذا العمل.

قد نعجز عن تحديد الجهة التي يجب إلقاء اللوم عليها بشكل أكبر، قبل أن نقرر فجأة القاء اللوم على الجميع، فنحن أمام حالة فريدة، لفيلم تتسابق جميع عناصره نحو الأسوء، ومع ذلك من غير العادل إنكار جهود "ستيفن فراي"، أداء جيد، وشخصية لا بأس بها، يكاد يكون صاحب حضور، أو على الأقل اجتهد في ذلك.

في النهاية "the con is on" خير دليل على وجود محترفين في صناعة أسوء الأفلام.


وصلات



تعليقات