The Wild Pear Tree.. الفنان والعالم

  • نقد
  • 06:21 مساءً - 12 نوفمبر 2018
  • 1 صورة



لدي إدراك كبير بالخلاف الدائر حول التحول الذي طرأ على الكاتب والمخرج التركي نوري بليغ جيلان في عمليه اﻷخيرين Winter Sleep وThe Wild Pear Tree. الكثيرون لم يحبوا الفيلمين، واصفين بأنها أعمال فائقة الملل، كثيرة الحوارات، بطيئة الرتم واﻹيقاع، وهى اتهامات استطيع أن اتفهمها تمامًا، بل ولا ألوم إطلاقًا على من يرى هذا في أفلام جيلان اﻷخيرة، لكني على صعيد آخر أرى ان هذين الفيلمين يحاولان محاكاة اﻹيقاع الداخلي لشخصياتهما الرئيسة واﻷجواء البيئية الخارجية التي يعيشوا فيها والكيفية التي تسير ذهنياتهم، وهو اﻷمر الذي يجعلني متفهمًا لم لا يحب البعض ما قدمه جيلان.

يفتتح الفيلم على لقطة يجلس فيها بطل الفيلم "سينان" في إحدى المقاهي المطلة على البحر، ومع انعكاس الزجاج، نرى سينان متماهيًا بشكل كامل مع اﻹطلالة التي يشرف عليها بنظره حتى لا نعود نرى فارقًا بينه وبين ما يرنو إليه بنظره، فالفتى انتهى لتوه من آخر امتحان له، وصار خريجًا، وعليه اﻵن أن يبدأ رحلته الطويلة مع الحياة والطموح اللانهائي الذي تعكسه هذه الصورة المجازية، ويحمل في داخله حلم الكتابة، حيث انتهى من كتابه الأول، وعليه أن يتخذ عشرات القرارات التي ستشكل حياته القادمة.

هذه الصورة الحالمة الأولى التي يفتتح بها الفيلم لا تدوم سوى لثواني، سرعان ما تنكسر تمامًا، فاﻵن حانت لحظة زوال الحاجز الزجاجي الذي يحتجز الفتى مع عالمه الداخلي الحالم المليء باﻵمال لكي يواجه ظلم العالم بكافة تجلياته وكافة أشكاله، والحدود التي ستضيق عليه الخناق من كل ناحية، ولذلك يحرص جيلان في كثير من اﻷوقات على التأكيد على ضآلة بطله أمام هذا العالم الشاسع والممتد حوله بوضعه في الكثير من اللقطات العريضة Wide Shots واللقطات فائقة الطول Extreme Long Shots.

طوال مدة الفيلم، تتراوح مواجهات البطل بين أكثر من جبهة، منها مواجهات مباشرة وواضحة، ومواجهات باطنية، وتلك المباشرة نلمسها بداية من العائلة التي تمر بضوائق عائلية عدة بسبب إدمان اﻷب على الرهانات، وضوائق مالية تعوقه عن عملية نشر كتابه اﻷول التي يضطر معها لكثير من المفاوضات والتحايلات مع اﻷشخاص الخطأ بسبب انعدام خبرته، باﻹضافة إلى مناوشات أخرى يواجهها البطل مع أصدقاء قدامى، وحبيبة سابقة، وكاتب مُفضل، ورجال دين، باﻹضافة إلى أفراد العائلة.

الوسيلة الاولى ﻷغلب هذه المواجهات هى الحوار، قد يبدو في سياقات سينمائية اخرى أن اﻹكثار من الحوار قد يطغى على عداه من عناصر فيلمية داخل نفس الفيلم، لكنها هنا تتحول إلى وسيلة ضرورية ﻷن الكثير من اﻷفكار التي تراود سينان لا تزال في طور التشكل ولم تصل لشكلها النهائي، وهو ما يستعصي على الصورة توصيله، مما يجعل الفيلم يصنع مقاربته الخاصة بين ما هو بصري وبين ما هو ذهني، مازجًا بين أدوات سينمائية وأخرى أدبية صرفة.

الحقيقة أن الفيلم بأكمله يغدو في لحظة في اللحظات محاولة للإجابة عن سؤال "وماذا بعد؟"، ذلك السؤال المحير والمصيري الذي يبزغ مع نهاية مرحلة حياتية وبداية مرحلة أكثر جدية، نفس السؤال الذي طرحه من قبل بأنماط متخلفة فيلمي The Graduate وGhost World، ولكن الفارق بين فيلمنا هذا وهذا الفيلم ليس فقط في اﻹجابات التي يصل إليها اﻷبطال، وإنما في منابعها، فالمنبع هنا منبع عقلي صارم يترجم عبر أدوات درامية وحوارية أكثر، بينما عملية البحث عن اﻹجابة في الفيلمين اﻷخرين يسير جنبًا بجنب مع سيرورتهما الدرامية.

لكن قبل المضي قدمًا نحو المستقبل، يضع الفيلم سينان في حالة تحاور إجباري مع ماضيه سواء أبى أو شاء ذلك، عليه أولًا أن يحدد موقفه من كل ما مر عليه، وأن يضعه في الميزان، وهنا لا تقتصر هذه الحالة من الحساب على مواقف معاشة او أشخاص سبق التعرف عليهم، بل على مراجعة شاملة لمنظومة اﻷفكار الحالية من أجل تحديث ما يلزم والثبات على ما يلزم منها أيضًا.

ولذلك، لا نستغرب حين نجد الفيلم يعزز حالة المراقبة والتأمل أكثر من حالة التوحد من الأحداث، ومثلما فعل مع أناتوليا في Winter Sleep، يعيد جيلان الكرة هنا مرة ثانية، مستغلًا أماكن النشأة بعيدًا عن المدن الكبرى الرئيسة، ومظاهر الطبيعة بمختلف أنماطها لكي يفسح المجال امام بطله وأفكاره اللانهائية، وموقعه الحقيقي من العالم دون أن يضيع منا في الزحام.

وعلى غرار إيدين في الفيلم السابق، يأتي سينان أيضًا كشخص ينتمي للفئة المثقفة التي تنظر للعالم بأسره نظرة تنم عن عدم التصالح مع الواقع المعاش مما يؤدي إلى التعالي في النظر للواقع تدريجيًا، حتى مع الفارق أن إيدين شخص متحقق بالفعل، بينما سينان لا يزال يتلمس خطواته الأولى، حتى ولو بالحفر في أعمق بئر مظلم يأبي أن يُخرج الماء للأرض العطشى.



تعليقات