"الأيرلندي".. سكورسيزي يقدم سيمفونية وداع تليق بالكبار

  • نقد
  • 04:24 مساءً - 26 نوفمبر 2019
  • 3 صور



قد لا تتوفر الظروف التي توفرت لفيلم الأيرلندي The Irishman لأي فيلم أخر من اجتماع نجوم بحجم روبرت دي نيرو، آل باتشينو، جو بيشي، هارفي كايتل ومخرج مثل مارتن سكورسيزي وميزانية ضخمة تخطت الـ 160 مليون دولار ، فأعمار الأبطال والمخرج قد لا يسمح لهما أن يعملا معًا مرة أخرى وأن تتضافر الظروف لتقديم هذه النتيجة الممتازة.

الأيرلندي رغم أنه ظل في مرحلة التحضير 10 سنوات حتى يخرج للنور وانتقل من استديو لاستديو حتى قررت نتفليكس أخيرًا انتاجه وكان تخوف الاستديوهات من تنفيذ المشروع أنه لا يوجد جمهور لهذه النوعية من الأفلام الآن، مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيرو كان لديهما رغبة للعمل معًا مجددًا بعد آخر تعاون في فيلم "كازينو" 1995 منذ أكثر من 20 عامًا، وأثناء تصوير دي نيرو لفيلمه "الراعي الطيب" قدم له كاتب السيناريو إريك روث كتاب "سمعت أنك تدهن بيوتًا" لتشارلز برانت ليقرأه ووجد فيه دي نيرو ضالته في أن يكون هذا الفيلم هو فيلم العودة بينه وبين سكورسيزي لتقديم شيء يضيف لمسيرتهما المميزة معًا والتي تعتبر من أهم ثنائية مخرج - ممثل فى تاريخ السينما.

الفيلم مبني على قصة حقيقية عن حادثة الاختفاء الغامض التي تعرض لها رئيس اتحاد العمال الأمريكي جيمي هوفا في عام 1975 حيث اختفى للأبد ولم يعثر على جثته وقيل أنه تم قتله بواسطة المافيا وأخفوا جثته وظلت هذه الحادثة مثار جدل للرأي العام الأمريكي لفترة طويلة.

سكورسيزي في فيلمه يطرح المسألة من وجهة نظر فرانك شيرين (جسده دي نيرو) وهو شخصية حقيقية اعترف في أواخر عمره بأنه من قام بقتل جيمى هوفا، فالفيلم يبدأ بلقطة طويلة في أحد ممرات المستشفيات حيث تتجول الكاميرا حتى تصل إلى شخص بلغ من العمر أرذله يجلس على كرسى متحرك يتأمل الماضي ويبدأ في الحكي على شاكلة فيلم "أماديوس Amadeus" عندما قدم الفيلم من وجهة نظر ساليري في حكاية القصة.

سيناريو الفيلم الذي كتبه ستيفن زيليان أخذ مسارات متعرجة، فالسيناريو لم يعود للماضي ثم يحكي الأحداث شيئًا فشيئًا حتى نصل للنهاية ولكنه يقطع من زمن لزمن، الفيلم في البداية يعرفنا على فرانك شيرين الذي يعمل كسائق ثم يتعرف على شخصية رجل العصابات راسل بافلينو (جسده جو بيشي) والذي سوف يكون بالنسبة له المرشد والموجه في حياته في عالم الجريمة، يقوم بعد ذلك بافلينو بتقديم فرانك لجيمي هوفا والذي يطلب منه أن يقوم بأعمال غير قانونية لصالحه، تتوطد العلاقة بين فرانك وهوفا حيث يصبح فرانك الساعد الأيمن لهوفا.

كيف نصنف هذا الفيلم بين أفلام سكورسيزي وهو الذى قدم أفلام عصابات مميزة مثل "رفاق طيبين" و"كازينو" و"المغادرين"؟ مبدأيًا هناك العديد من العلامات المميزة لسينما سكورسيزي في هذا الفيلم منها صوت الراوي العليم، فشريط الصوت طوال الفيلم على لسان فرانك شيرين يقدم لنا الشخصيات والأحداث، حب الشخصيات للطعام، عدم وجود حبكة فنحن نسير مع الشخصيات، الفيلم مليء بالحوار طوال الوقت، الأيرلندي هو فيلم شخصيات بالدرجة الأولي، هناك حالة من المعايشة مع شخصيات الفيلم، فسكورسيزي دائمًا يؤكد أن ما يجذبه للفيلم هو الشخصية وليس القصة وبالتأكيد شخصية فرانك شيرين لديها من الجاذبية في أن يقدم الفيلم من وجهة نظرها وأن تكون هذه الشخصية المحركة للأحداث.

التمثيل في الفيلم يجمع عمالقة مثل دي نيرو وآل باتشينو ، ما يميز دي نيرو هو تفوقه في مشاهد الحوار فالشخصية بطبعها هادئة لا تتحدث كثيرًا، تستمتع أكثر ما تتكلم، أما آل باتشينو يتميز أكثر في مشاهد الخطب بحكم أنه ممثل مسرحي، كذلك شخصية هوفا هو شخص دقيق لا يقبل الاستهانة بالوقت، معتد بنفسه، سريع الانفعال والغضب كما أنه خطيب مفوه بحكم منصبة كرئيس إتحاد العمال الأمريكيين، جو بيشي رغم تجسيده دور رجل عصابات هنا، وهو الذي جسد كثيرًا هذه النوعية من الأدوار مع سكورسيزي ودي نيرو في السابق إلا أنه هنا مختلف فالشخصية هنا هادئة متعقلة تحسب لكل شيء حسابه بعكس شخصياته في رفاق طيبين وكازينو حيث كان يغلب عليها الجنون وسرعة رد الفعل.

سكورسيزى في هذا الفيلم مختلف عن أي فيلم أخر قدمه، وتحديدًا رفاق طيبين وكازينو، فحركة الكاميرا هنا أهدأ لا توجد قطعات مونتاجية سريعة، فالحالة هنا بحكم أن الشخصية الرئيسية تتأمل الماضي فسكورسيزي جعل الحالة تأملية أكثر ، سكورسيزي قبل صدور الفيلم قال: "لا تتوقعوا فيلم رفاق طيبين آخر" فما يميز هذا الفيلم هو الساعة الاخيرة حيث بلغ شيرين من العمر أرذله وتمكنت منه أمراض الشيخوخة، قاطعته بناته بسبب تاريخه مع المافيا فالزمن أقوى منا جمعيًا وهكذا أصبح شيرين بعد وفاة معظم رفاقه بالقتل أو الوفاة الطبيعية وحيدًا يرقد في أحد المستشفيات غير قادر على خدمة نفسه.


الأكثر مشاهدة


تعليقات