"كيرة والجن" بين رواية 1919 وكاميرا مروان حامد

  • نقد
  • 06:58 صباحًا - 18 يوليو 2022
  • 1 صورة



(كيرة والجن) بين رواية 1919 وكاميرا (مروان حامد) من المعروف أن الكاتب والسيناريت (أحمد مراد) دائمًا يسبح عكس التيار، فهو ليس من الكتاب الذين يفضلون الاستسهال و اللجوء إلى السائد المتعارف عليه، فبالنسبة لأول رواياته التي تم تحويلها لفيلم سينيمائي كانت (الفيل الأزرق) والذي مزج فيه بين الخيال و الرعب والفانتازيا، مرورًا بتراب الماس والذي يعد أكثر عنفًا وقسوًة حتي فيلم (الأصليين) والذي كان أكثرهم تعقيدًا وتضمن الكثير من الألغاز والغموض، وأما فيلم (كيرة والجن) المأخوذ عن رواية 1919، وهي أحدث رواياته والتي قرر فيه تغيير جلده تمامًا والذهاب إلي منطقة أخرى، وهي الأكثر مباشرًة في سرد أحداث تاريخية ممزوجة ببعض الوثائق عن فترة ثورة 1919 حتي عام 1924، والتي تتضمن قصص حقيقية لمجموعة من المناضلين المنسيين والذين لم يأخذوا حقهم سواء في السينما أو الدراما، والذي يعد مرجعًا هامًا للأجيال الجديدة التي لم تعاصر هذه الفترات وعلي رأسهم شخصية (دولت فهمي) و التي تلعبها (هند صبري) والتي تعد نموذجًا حيًا لبداية تحرر المرأة، في هذه الفترة مثل (هدي شعراوي) خاصة أن دور المرأة في هذه الفترة كان محدودًا للغاية ومنحصرًا في أداء واجباتها المنزلية في كل الفئات المجتمعية خاصة أن (دولت فهمي) كانت امرأة صعيدية، نشأت في قرية أبو عزيز وهي إحدى القرى في المنيا، والتي كانت تتمسك بتقاليد صارمة تضع المرأة في شرنقة مغلقة عبَر عنها (مروان حامد) بشكل واضح سواء في اختيار أماكن التصوير أو لسيدات القرية المعروفين بالقوة والصلابة وقسوة القلب المجسدة في شخصية (سلوي عثمان) والدة (هند صبري) وهي امرأة غليظة القلب والتي لا تمانع من رؤية ابنتها تقتل بوحشية على يد شقيقها من أجل الحفاظ علي الشرف والتمسك بتقاليد قريتها. ولو تحدثنا عن الشخصيات الحقيقية في العمل فبالنسبة لدولت فهمي فكانت امرأة صعيدية قبطية تقيم في القاهرة وانشغلت بقضية تعليم البنات حتي أصبحت وكيلة لمدرسة الهلال الاحمر القبطي للبنات، والتي استطاعت ان تجسد جموح المرأة للمشاركة في ثورة 1919، ولم يقف دورها السياسي عند هذا الحد بل انخرطت بشكل أكبر بانضمامها لأحدى التنظيمات السرية للثورة، وشاركت في عدة عمليات للمقاومة، ولكن يأتي دورها الريادي بعد فبراير عام 1920، عندما تم تكليف (عبدالقادر شحاته) وهو شابًا في الحادية والعشرين من عمره، وكان أحد زملائها في التنظيم السري، بعملية قتل إحدى القيادات بوزارة الإنجليز، متنكرًا في ملابس عامل، وبعد إلقائه القنبلة التي لم تصيب الوزير، تم القبض عليه واعترف بأنه كان ينوي قتل الوزير لقبوله الوزارة، بينما تأتي (دولت فهمي) برسالة من التنظيم السري بأنها علي استعداد للمثول للشهادة أمام النيابة، والتي تؤكد فيها وجود (عبدالقادر) في منزلها وقت ارتكاب الحادث، وإنه اختبأ في منزلها طوال فترة هروبه و يجب عليه أن يعترف بنفس الشيء، وعلى الرغم من خطورة هذه الشهادة علي سمعتها والتي قررت أن تضحي بها من أجل إنقاذ أحد المناضلين دون تردد مهما كلفها الأمر، حتي قام أهلها باستدراجها في الصعيد وقتلها. وأما شخصية (كريم عبد العزيز) فهو (أحمد عبد الحي كيرة) وهو أحد الفدائيين من رجال الزعيم المصري (سعد زغلول) وكان الذراع الأيمن لجمال فهمي الرجل الثاني لسعد زغلول وكان يعيش حياة مزدوجة فكان يوهم أصدقائه بأنه يعمل مع الإنجليز ويصادقهم، بل اتهمه البعض بالخيانة والعمالة بينما كان يقوم بمهام وطنية وتسبب في مقتل العشرات من الجنود الإنجليز واستطاع الهرب خارج البلاد. لو بدأنا بمقارنة بسيطة بين أحداث الفيلم والرواية الأصلية نجد الكثير من الاختلافات، والتي اختار (أحمد مراد) اللجوء إليها بحيث تتناسب تجاريًا وتصل إلي الجمهور سريها بما في ذلك تخفيف حدة السياسة وثقل الأحداث وعلي سبيل المثال تضمّنت أحداث الرواية شخصية الملكة (نازلي) وبعض المقتطفات عن حياتها قبل زواجها من الملك فؤاد، وزياراتها المتبادلة مع (صفية) هانم زوجة سعد زغلول زعيم ثورة 1919، والتي كانت توصف بأم المصريين، بالإضافة إلى بعض الشخصيات النسائية التي قابلها (أحمد كيرة) البطل الرئيسي للعمل في مسيرة حياته حتى ينتهي الكتاب بوفاة (سعد زغلول) عام 1927 بينما جاءت نهاية الفيلم عام 1956، كما أضاف أحمد مراد بعض الشخصيات الجديدة كي تتماشي مع أحداث العمل. وبالنسبة للجوانب الفنية للفيلم فقد برع المخرج (أحمد مراد) في إبراز المتعة البصرية و الصورة الجمالية سواء من ناحية الديكور والتصوير والملابس والخيول والتي أعادتنا إلى هذه الفترة الزمنية بكل تفاصيلها دون تفويت أي ملاحظة، وساعد علي ذلك موسيقى (هشام نزيه) والتي تسبح بك إلى عالم آخر بالإضافة إلى مباراة حافلة من الأداء يأتي على رأسهم (كريم عبدالعزيز)، و هو الأصعب أداءًا لأن شخصيته متلونة وتمر بعدة مراحل نفذها بتلقائية شديدة وتليه (هند صبري) والتي اعتمد دورها على إبراز المشاعر بالتعبيرات الوجهية خاصًة في مشهد اعترافها في النيابة والذي ساعد فيها (مروان حامد) بلحظات الصمت تارة و بالحوار مرة أخرى وأما (أحمد عز) فتألق في النصف الثاني أكثر بينما جاء أداؤه مكررًا وعلى نفس وتيرة أعماله السابقة في النصف الأول وأما مفاجأة العمل فكانت الفنانون الأجانب وعلى رأسهم النجم (سام هزلدين) على الرغم من أنه ليس نجم شباك. وعلى الرغم من الإنتاج الضخم وجميع مقومات العمل الناجحة إلا أنه لم يخلو من بعض السلبيات التي تؤخذ على العمل، أهمها طول مدة الفيلم والذي كان من الممكن اختصار الكثير منها بما في ذلك مشاهد الأكشن والتي احتلت نصيب الأسد على مدار العمل خاصًة مشاهد (أحمد عز) في النصف الأول وطول مدة المشاهد الأخيرة بالإضافة إلى أن زيادة جرعة الأكشن جاءت على حساب الدراما وتلاحم الشخصيات مع بعضها، فعلى سبيل المثال علاقة (كريم عبدالعزيز) بزوجته (روبي) كانت بحاجة إلى عمق درامي أكثر، وكذلك البناء الدرامي لجميع الشخصيات تم اختصارها واكتفى المخرج ببعض اللمحات السريعة عن كل شخصية في بداية الفيلم.


تعليقات