يتناول الفيلم السيرة الذاتية لكوكب الشرق (أم كلثوم)، مسلطًا الضوء على أبرز المحطات في حياتها الشخصية والفنية، والعلاقات التي كان لها أثر كبير في مسيرتها.
يتناول الفيلم السيرة الذاتية لكوكب الشرق (أم كلثوم)، مسلطًا الضوء على أبرز المحطات في حياتها الشخصية والفنية، والعلاقات التي كان لها أثر كبير في مسيرتها.
المزيدكنت مترددة لفترة طويلة قبل أن أكتب عن فيلم الست، من إخراج مروان حامد وبطولة منى زكي. ليس لأن الفيلم بسيط أو عابر، بل لأن الموضوع نفسه شديد الحساسية، أم كلثوم ليست مجرد مطربة أو شخصية تاريخية، بل حالة ثقافية كاملة، أسطورة تشكلت قبل مولدي، أنا لم أعاصر زمنها، وكل ما أعرفه عنها جاء عبر مقالات قرأتها، وأوصاف مثل “كوكب الشرق” و“الهرم الرابع”، إضافة إلى المسلسلات والأفلام التي حاولت الاقتراب من سيرتها، لذلك، هذا المقال لا يدعي امتلاك الحقيقة عن أم كلثوم، بل يقدم رأيا في الفيلم نفسه، كما وصل إلي...اقرأ المزيد كمشاهدة معاصرة. مبدائيا لا يمكن إنكار أن مروان حامد قدم فيلما مبهرا بصريا، الصورة، حركة الكاميرا، واختيار الألوان كانت مناسبة جدا للفترة الزمنية، إلى درجة أنك تشعر فعلا أنك تعيش داخل تلك الحقبة، هناك عناية واضحة بالتفاصيل البصرية، من الديكورات إلى الإضاءة، وكلها عناصر تحسب للفيلم وتؤكد خبرة حامد التقنية وقدرته على صناعة مشهد سينمائي أنيق. لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من الصورة إلى البشر داخل هذه الصورة، وتحديدا اختيار الممثلين. أكبر مأخذ على الفيلم وربما أخطرها هو اختيار (منى زكي) لتجسيد أم كلثوم، طوال مدة الفيلم، لم أرى أم كلثوم لحظة واحدة، كنت أرى منى زكي تحاول، تجتهد، تمثل… لكنها لا تتقمص، هناك فارق كبير بين الأداء والاندماج الكامل في الشخصية، وهذا الفارق كان غائبا تماما. أنا لم أعاصر جمال عبدالناصر ولا أنور السادات، لكنني حين شاهدت أحمد زكي في أفلامه عنهما، شعرت أنني أراهما “بشحمهم ولحمهم”، هذا الإحساس لم يحدث هنا، منى زكي بدت ضعيفة أمام ثقل الشخصية، ومن الصعب تصديق أن هذه المرأة هي “الهرم الرابع” أو الصوت الذي أوقف الشوارع. ويضاف إلى ذلك المكياج، والذي جاء في رأيي سيئا للغاية، في بعض المشاهد، كانت ملامح منى زكي ونظراتها تشعرني بعدم الارتياح، بل أحيانا بالخوف، لا أعرف إن كان السبب مكياجا مبالغا فيه، أو زوايا تصوير غير موفقة، أو أداء غير متوازن، أو مزيجا من الثلاثة، لكن النتيجة النهائية كانت مربكة ومنفرة. أما الموسيقى التصويرية التي وضعها هشام نزيه كانت شبه غائبة، وهو أمر يمكن تفهمه منطقيا؛ فالفيلم مشبع بأغاني أم كلثوم، ومن الصعب منافسة هذا الإرث الموسيقي الهائل، لكن ما ينقص الفيلم فعليا هو الإحساس بالصوت نفسه، الصوت الذي وصفه النقاد بأنه “لا يضاهى”. نسمع أداءات متقطعة، وغالبا ما تكون مغطاة بمصاحبة أوركسترالية، بينما كان من الممكن بل من الضروري أن يمنحنا الفيلم لحظات حميمية يترك فيها هذا الصوت يحلق بحرية، هنا أضاع مروان حامد فرصة ثمينة للتقرب من جوهر أم كلثوم الحقيقي. وأيضا الأدوار الثانوية كانت عادية إلى حد كبير، لا أحد قدم أداء لافتا، ولا أحد كان سيئا بشكل صادم، الجميع مروا مرور الكرام. فمثلا دور أحمد حلمي، كان مثيرا للضحك أكثر من اللازم، فكرة أن رئيس قسم لا يتعرف على أم كلثوم إلا من بطاقتها الشخصية تبدو غير منطقية تماما، كيف لشخص في هذا الموقع ألا يعرف شكل أشهر مطربة في الوطن العربي؟ ألا يقرأ الجرائد؟ ألا يرى صورها؟ حتى لو لم يحضر حفلاتها، فهذا المشهد تحديدا أخرجني من الحالة السينمائية. الفيلم يتناول بعض الجوانب الجدلية من حياة أم كلثوم، مثل شرب الخمر أو تدخين السجائر، وبحسب ما قرأت، هناك من أكد هذه الروايات، وهناك من نفى صحتها. وبغض النظر عن الحقيقة، من الصعب تصديق أن صوتا بهذه القوة والاستمرارية كان يمكنه الصمود مع عادات كهذه، نظرا لتأثيرها المعروف على الأحبال الصوتية. قد تكون هذه التفاصيل ناتجة عن المعالجة الدرامية لأحمد مراد، الذي حاول ضغط مراحل زمنية كثيرة ومواقف متعددة في حياة أم كلثوم داخل فيلم واحد، الفيلم يبدأ بعظمة حفل باريس عام 1967، حيث وقفت أم كلثوم ممثلة لأمة مكسورة بعد الهزيمة، ثم يعود فجأة إلى طفولتها الفقيرة في دلتا النيل، وغنائها مع والدها الشيخ بلتاجي، ومقاومتها المبكرة في القاهرة وهي تؤدي الأناشيد الدينية مرتدية ملابس الرجال. كل هذا قدم بشكل مقبول من حيث السرد، لكنه ظل سطحيا. أكبر إخفاق للفيلم هو فشله في تقديم نظرة ثاقبة لشخصية أم كلثوم. لم نرى ضعفها الإنساني، صراعاتها الداخلية، حياتها الخاصة خلف الصورة العامة، لم نفهم عمليتها الإبداعية، ولا علاقتها بصوتها كأداة وقوة وهيمنة. شاهدنا أيقونة تتحرك داخل مشاهد جميلة، لكننا لم نقترب من الإنسانة. في النهاية: الست فيلم جميل شكليا، ضعيف جوهريا، ينجح في استحضار الزمن، لكنه يفشل في استحضار الروح، يقدم أم كلثوم كصورة تاريخية لا ككائن حي نابض بالتناقضات والقوة والضعف.