الدين والسينما.. المعادلة مضمونة الانفجار

  • مقال
  • 12:36 مساءً - 2 اكتوبر 2012
  • 4 صور



صورة 1 / 4:
أفيش فيلم Dogma
صورة 2 / 4:
توم هانكس في مشهد من فيلم The Da Vinci Code
صورة 3 / 4:
لقطة من فيلم The Passion of the Christ
صورة 4 / 4:
أفيش فيلم water

يمكن اختصار موضوعات عالم السينما وما تدور من حوله في كلمة واحدة: الإنسان. ما به وما تدور حوله حياته.. اهتماماته وتفضيلاته.. همومه وأحلامه.. حتى الأفلام التي تتحدث عن الحيوانات أو الفضاء أو كائنات مريخية، هي أفلام تتناول اهتمامنا كبشر بهذه الأشياء. كبشر، يشغل موضوع علاقتنا الروحانية مع خالقنا ودنيانا في إطار غير مادي وغير ملموس جزء كبير من حياتنا وإيمانياتنا وتفكيرنا. أتحدث عن الدين. لذا كان من الطبيعي أن نرى عالم السينما يسعى ولو بخطوات حذرة لتناول هذا الموضوع "الإنساني" وطرحه للتناول السينمائي بين داعم وداعي لفكرة أو رسالة دينية وبين منتقد شاجب لها. ومن العديد من الانتاجات التي تناولت مواضيع دينية بالمعنى الصريح أو فلسفية ذات علاقة بمفاهيم دينية، خرجت للنور أفلام عديدة مثيرة للجدل واللغط. أفلام رآها البعض مسيئة لدينه أو ممتلئة بالكراهية والازدراء.

السينما كما أي نوع من الفنون، هي تعبير إبداعي وخلّاق عن فكرة ما. وهذه الأفلام رأى صانعيها أن بها تعبير ما لفكرة ما تدور في أذهانهم حول هذا الدين أو ذاك. الأمر الخطر في هذا الاتجاه هو أن هناك خيط رفيع بين التناول الفني الناقد لفكرة دينية ما وبين التناول المتجني الذي يصل لحد الازدراء وإثارة الاستياء. في الايام الأخيرة شهدنا جميعاً الضجة التي أحدثها هذا الفيلم التافه "موضوعاً وفناً" الذي تعرض بالإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم. إلا أن هنالك العديد والعديد من الأعمال السينمائية التي حققت مثل هذا اللغط وليست كلها موجهة تجاه الدين الإسلامي. ما يلي تناول مختصر لعدد من التجارب:

The Passion of the Christ
في العام 2004 صدم الممثل والمخرج الأمريكي ميل جيبسون العالم بفيلم The Passion of the Christ والذي يروي قصة آلام السيد المسيح في ساعات حياته الأخيرة قبل موته على الصليب. الفيلم جمع أكثر من 370 مليون دولار ليصبح الأعلى في التاريخ من ناحية الإيرادات في فئة الأفلام R والتي تعني أن الفيلم يحظر على من هم دون السابعة عشرة دون مرافقين نظراً لمحتوى يتسم بالعنف أو بالإثارة وكذلك في فئة الأفلام بلغة غير الإنجليزية. يصور الفيلم رجال الدين اليهودي في إطار إخباري يرمي لتسببهم المباشر في موت المسيح وصلبه. الأمر الذي لم يعجب اليهود حول العالم وأثار موجة عارمة من الرفض للفيلم ومن الجدل حوله. وطال صانعوا الفيلم العديد من اتهامات معاداة السامية. الفيلم حتى 2010 لم يتم تداوله تجارياً بالمرة في إسرائيل مثلاً بدعوى أنه لا يوجد إهتمام بموضوعه! هنا جاء الشعور بالكراهة باعتبار أن معارضي الفيلم وجدوا أنه يحمل اليهود بعبء ذنب صلب المسيح مما سيدفع المسيحييون لكرههم. هذا ما رأوه على كل حال.

الفيلم الذي صور باللغة الآرامية واللاتينية والذي كان يفكر جيبسون في تقديمه دون ترجمة! (لحسن الحظ لم يقم بذلك) مدعياً أن الأداء سيوصل المعنى بشكل كامل. كان من التأثير الدرامي لدرجة أن سيدة تدعى بيجي سكوت لديها 56 عاماً أصابتها أزمة قلبية من متابعتها لمشهد عملية الصلب وتوفيت في وقت لاحق بالمستشفى وذلك في اول أيام العرض! التأثير الذي دفع بعض العاملين على الفيلم من تقنيين وممثلين لتحول من مذاهبهم المسيحية للمذهب الكاثوليكي!

Dogma
ملكان مطرودان من جنة السماء يحاولان العودة إليها رافضين لقرار الرب! يجب منع هذين الملكين من فعل ذلك لأنهما ببساطة سيريان العالم بفعلهما أن الرب غير معصوم عن الخطأ وعاجز عن اتخاذ القرار الصحيح. هذا الأمر كارثي لأنه يعني اختلال نسيج الكون وانهيار العالم كما نعرفه بالتالي تقع المهمة على عاتق عاملة في مركز للإجهاض يتم توجيهها على أنها أحد أنجال سلالة المسيح (من صلب أخوته) وبمساعدة إلاهية وبعض الرسل يجب عليها أن تمنع الملكان المتمردان من تحقيق هدفهما. بشكل ما رأى البعض من المؤمنين المسيحيين وخصوصاً من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في هذه القصة أن الأمر به نوع من الهرطقة والكفر..حسناً أتفق معهم في ذلك.

الفيلم الكارثي هذا هو Dogma والذي كان محاولة لانتاج فيلم كوميدي تافه آخر بشكل ما يتناسب مع سطحية الجمهور الذين يتابعون أفلام المخرج كيفين سميث. هو مخرج الفيلم وكاتبه أيضاً. ولسبب ما قرر أن يكون فيلم مغامراته الكوميدي والذي انتجه عام 1999 إهانة لمجمل المعتقدات الكاثوليكية. بداية الفيلم مثلاً تحتوي على مونولوج وخطبة لعجوز الستاند أب كوميدي الأمريكية جورج كارلين والمعروف بكوميديته السوداوية ومعارضته للأديان بشكل عام وبالذات الدين المسيحي! وضع المخرج هذا "الكافر الساخر" في دور رجل الكنيسة الكاثوليكية، ثم قرر بشكل ما أن الرب هو إمرأة وأسند الدور للمطربة الكندية ألانس موراسيتي!! بن أفليك و مات ديمون في دور الملكين المتمردين الذين لا يتحدثان إلا بالسباب المقذع ويقومان بقتل الناس لمجرد التعبير عن المشاعر.. الأمر الذي يعطيك فكرة عامة عن مسار الفيلم وسخريته الشديدة من الدين المسيحي.

الفيلم أثار الكثير من الضجيج والتظاهر لمنعه وهو ما حقق تأخير عرض الفيلم في دور العرض أكثر من مرة وتلقى سميث العديد من التهديدات بالقتل!. الكثير من المنظمات الكاثوليكية دعت لتظاهرات ضد الفيلم. الطريف أن سميث مخرج الفيلم شارك في أحد هذه المسيرات الغاضبة ضد فيلمه! وكاد أن يقع في مصيبة حينما لاحظ أحد المراسلين أنه شديد الشبه بمخرج الفيلم الكارثة، إلا أنه استطاع اختلاق إسم وهمي (لأحد أصدقائه في الحقيقة) وقصة مختلقة أنه غاضب من مجرد الشبه مع هذا الحثالة مخرج الفيلم الكافر! لكنه أشاد بأول أفلام المخرج وقال أنها أعجبته!!

Water
المخرجة الهندية الشهيرة والمتميزة ديبا ميثا تقدم في العام 2005 فيلم Water والذي يحكي معاناة الأرملة في المجتمع الهندي المتبع للعقيدة الهندوسية. الأرملة الهندوسية وفقاً لما يقدمه الفيلم ليس لديها إلا عدد محدود جداً من الخيارات، إما أن تحرق او تدفن حية مع زوجها، أو أن تتزوج أصغر إخوته، أو أن تعتزل الحياة ويلاحقها العار. فعلياً هناك إشكالية مجتمعية كبيرة في المجتمع الهندوسي عند التعامل مع الأرملة. مفهوم الحرق من المفترض أنه تمثيل لطقس يدعي ساتي وهو نسبة لواحدة من آلهتهم زوجة الإله شيف والتي أحرقت نفسها اعتراضا على تعامل أبيها القاسي مع زوجها شيفا. الإسم والكلمة صارا دلالة على العفة والطهر ومن ثم ظهرت هذه الممارسة في تاريخ المجتمع الهندوسي. حال قيام الأرملة بذلك (سجلت عديد من الحالات الطوعية لهذا الامر حيث تطلب الأرملة حرقها مع زوجها وفاءاً له، كما سجلت عديد من حالات الحرق القسري مطبقا من أهل المتوفي على زوجته وربما من أهلها أيضاً!) يقوم الناس بإقامة معبد على رفاتها ويمارسون طقوس تعبدية به تقديساً لها ولفعلها. وحال رفض السيدة لتلك الممارسة يمارس عليها نوع من العقاب الجماعي بالنبذ والإهانة.

التناول الدرامي هنا يحكي أرملة صارت كذلك وهي طفلة! حيث أنها زوجت لرجل لم تره وتوفي الرجل وهي لازالت تلهو عند أبويها، لتنطلق حياة النبذ لها وتعامل المجتمع المجحف بحقها. تقع الفتاة في حب أحد أتباع غاندي والمنادين بحقوق المرأة، وتستمر الأحداث حول هذه العلاقة المحرمة وفقاً لرؤية المجتمع. الفيلم ترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2007 وحصد عدد من الجوائز العالمية. قبيل تصوير الفيلم تم تأجيل التصوير في يومه الأول بدعوى عدم الحصول على التصاريح اللازمة، ليرحل الممثلون ليفاجأوا بعدها أن الحقيقة أن السكان الغاضبون من الهندوس قاموا بتحطيم موقع التصوير وحرقه كاملا! ليتعطل التصوير أربع سنوات ويتمم بعدها في سيريلانكا بطاقم ممثلين جدد تماماً.

The Da Vinci Code
عن واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في التاريخ الحديث يأتينا المخرج رون هاورد بفيلمه الفريد. الرواية للمؤلف الأمريكي دان براون وتناقش في إطار بوليسي من التشويق والمغامرة فكرة جدلية تهاجم أساس الدين المسيحي والكنيسة الكاثوليكية تحديداً . حيث يضع المؤلف بطله روبرت لانجدون منذ بداية أحداث الرواية في إطار جريمة غامضة تقع في متحف اللوفر في باريس ، ومع تتابع الأحداث والتحقيق نرى محاولة المؤلف تفسير الأدلة التي تشير إلى محاولة الكنيسة لإخفاء أحد أكثر الأسرار خطورة في التاريخ المسيحي، ألا وهو أن المسيح كان متزوجًا من مريم المجدلية وأنجب منها، بل وأن سلالتهم لا يزال أحفادها موجودون في فرنسا حتى الآن !! ثمة موضوع شائك آخر في الرواية لكنه أكثر تعقيدًا، وهو فكرة "الأنثى المقدسة" التي لا تعني بالضرورة أن الله أنثى، ولكنها تعني ببساطة أن الأنثى كان لها دائمًا دور مساوٍ لدور الرجل فيما يتعلق بالإلوهية وتاريخ الخلق، فالرواية ترسم صورة لعالم الكنيسة الذي يتحكم فيه رجال عُزاب، والذين قاموا على مدى عدة قرون بطمس وتشويه أسطورة الأنثى المقدسة. عبر ممارسات وافتراءات حطت من دور المرأة ومكانتها في المجتمع المسيحي.

الفيلم واجه حملة شرسة كباقي الأفلام المثيرة للجدل الديني، هذه المرة قاد الحملة بابوات الفاتيكان وكرادينلتها! في مصر حدث اجتماع واتفاق على منع الفيلم ومعارضته بين مجلس الكنائس المصرية ومشيخة الأزهر! بعض الدول حاولت بشكل ما منع الفيلم لكن الرواية كلما واجهت معارضة واحتجاج كلما قابل ذلك على الطرف الآخر اهتمام وفضول دفع الرواية ومن ثم الفيلم لدائرة الاهتمام، لدرجة أن الرئيس الفرنسي وقتها جاك شيراك استدعى مخرج الفيلم وامضى معه ساعات يناقشه حوله وعرض عليه كل المساعدة الممكنة لتيسير تصوير الفيلم خاصة أن أحداث محورية به تدور في اللوفر الباريسي.

Submission
الفيلم العلامة الأكثر إساءة في نظر المسلمين فنياً لدينهم والذي أثار جدل واحتجاجات عالمية مشابهة لما جرى منذ أيام. احتجاجات انتهت باغتيال مخرج الفيلم الهولندي ثيو فان جوخ على يد هولندي مسلم من أصول مغربية! طعنة في القلب بخنجر مغروز به رسالة توضح أن سبب الاغتيال هو الفيلم القصير الذي أخرجه ثيو في العام 2004. يبدأ الفيلم الإساءة من عنوانه حيث أنه وهو يعني الإخضاع أو الاستسلام كان هو الترجمة الحرفية المقابلة لكلمة إسلام من وجهة نظر أصحاب الفيلم! الفيلم من كتابة الصومالية أيان علي ويحكي قصة مشاهد وأحداث مختلقة من خيال المؤلفة ترصد معاناة المرأة المسلمة من دين ومجتمع يهينها ويمتهن حقوقها. الفيلم صور الممثلة التي أدت الدور بحجاب وبرقع مغطي للوجه ترتدي زي شفاف يظهر جسدها العاري وهو مغطى برسوم كوشوم لآيات قرآنية!

فور عرض الفيلم واندلاع الاحتجاجات الإسلامية واغتيال المخرج، قامت مظاهرات مضادة تهاجم الإسلام في هولندا وقام عدد من المتعصبين بالتهجم ومحاولة حرق عدد من المساجد والمراكز والمدارس الدينية. الأمر الذي قابله بعض المتشددون من المسلمين أيضاً بأفعال مشابهة ومحاولة للهجوم على بعض الكنائس..

قائمة الأفلام تطول.. جدلية البعض منها تظهر نوع من العرض الإبداعي لأفكار ونقد جاد وصادق لمفاهيم أو حقائق دينية، وتفاهة البعض منها تظهر الفهم السطحي والأجوف لبعض المعتقدات الدينية بما يسبب الإساءة ويدفع نحو الغضب المجنون لرافضي ذلك. ناهيك عن تجاهلي عن عرض او تحليل تناول السينما الغربية بشكل عام في الأفلام الغير دينية الموضوع لمفهوم أو دور الرب أو الأديان الأخرى والصور النمطية للمؤمنين بها (صور اليهودي والمسلم في الأغلب بأشكال كاريكاتورية ونمطية تؤدي نحو فهم كارثي للآخر) أرى كثيراً أن قوة الإيمان يجب أن لا توضع محل اختبار بقولك أو رفضك لعمل فني ما يناقش إيمانياتك. تجاهل ذلك وارفضه. وإن حدثت الإساءة فعليك باعلان ذلك بشكل حضاري وهادئ وذكي. إلا أن الأمر عبارة عن صندوق من الديناميت الغير مستقر.. هنالك أمران لا يجب الحديث حولهما لدى الكثير من المجتمعات بشكل غير مسؤول أو متحفظ، الجنس والدين. وتناول الفن لإيمانيات الناس أمر يحمل الكثير من القلق ولن يكون يوماً أمر سهل أو مرحب به. خصوصاً أن إيمان الفرد بمقدساته يفترض ضمنياً رفضه أي إساءة لها واعتباره هذا الأمر نوع من الهجوم الشخصي الذي يجب أن يتم القضاء عليه وليس مجرد تعبير فني ما أو نقاش مهم حول فكرة الدين أو ما يدور حول المعتقدات.



تعليقات