"طفلة الأربعاء".. لن أهجُر مثلما هُجِرت

  • مقال
  • 12:05 مساءً - 17 نوفمبر 2015
  • 1 صورة



"طفلة الأربعاء".. لن أهجُر مثلما هُجِرت

ـ أنا لم اقترف شيئًا
= وأنا لم أتهمك، سأسألك بضعة أسئلة، ثم تعودين أدراجِك.. ما اسمك؟
ـ مايا فارونيكا
= متى وُلدت؟
ـ 23 ديسمبر 1994
= أين وُلدت؟
ـ ..................
(بصوت أعلى)
= أين وُلدت؟
ـ ................، لا أدري
= عفوًا!
ـ لا أدري، لا أدري

هذا هو مشهد افتتاحيتنا المثير لفيلم " The Wednesday Child"، لا ندري خلاله ما كنه مشكلة بطلتنا، أو فيما أقحمت نفسها لتتعرض لمثل هذا الموقف.. لكنا أصبحنا نُدرك جيدًا، أن ثمة أمر غير طبيعي يُحيطها، فهي لا تعرف مكان مولدها! ولنسلط أضواءنا على سطر مفُتتح السيناريو جيدًا "أنا لم اقترف شيئًا"، لأنه بطريقةٍ ما، سيكون لازمة لـ"مايا" منذ أن تعرفت على الدنيا، وكأن لسان حالها يصرخ دومًا: أنا لم اقترف شيئًا لأتعرض لهذه البشاعات!

"مايا" هي الفتاة التي هجرتها أمها صغيرة، ولم تترك لها سوى "كارت معايدة موسيقي"، حين تفتحه يدندن بنغمات "هابي بيرث داي تو يو" المألوفة المحببة لأنفسنا جميعًا، تلك الهدية التي التحمت بروح "مايا" ولم تغادرها بُرهة، فكلما شعرت بثقل الدنيا على صدرها، ذهبت لبطاقة والدتها، وأنصتت لنغماتها بشاعرية تتخيل خلالها والدتها وكيف يمكن أن تكون، تتماهى مع النغمات الخافتة الضعيفة التي تعثر فيها على آمانها، وتستكين على فراشها خالدة للنوم غير عابئة بشيء سوى هدية والدتها الحبيبة وما تنعم به عليها من الراحة، حتى في عيد مولدها، ورغم أنها حوصرت بمتاعب شتى تزهق الأنفاس، لكنها تحتفل مع ابنها الصغير في مركز رعايته، وتعود لمنزلها لتُعانق تلك الراحة المنبعثة من بطاقة المعايدة.

"مايا" التي تربّت في ملجأ للأيتام، أدركت أن الحياة تلزمها الخشونة، وأن الدنيا والبشر بحاجة للتكشير الدائم عن الأنياب، فنجدها تتخذ الفظاظة سلاحًا لها مع الجميع، وبذات الوقت نجدها في قمة الحنو والرقة مع ولدها الصغير، حين تخلو به في مركز رعايته، محاولة التواصل معه -وهي الصعوبة ذاتها- حيث يعاني الصغير من مشاكل في التخاطب، ونجده لا ينبس ببنت شفة طيلة الفيلم تقريبًا، هي تحدثه وتمازحه، وهو فقط يبتسم ويحاول التفاعل، بينما هي راضية غامرة إياه بالحُب، تصرخ بكل دواخلها "لن أهجرك مهما كانت قدراتك وحالتك، لن أعُرضّك لما تعرضت إليه أنا، وعركته وعركني خلال حياتي المريرة"، فحين تجتمع "مايا" بولدها "كريس"، تتخلى عن فظاظتها وتغمرها كل معاني الأمومة، لتشعر بالذهول من تحلّي تلك الفتاة بمثل هذه الروح، رغم كل ما داهمها وتعرضت له، منذ أن شق عينيها نور الحياة.

ولا تتوقف الصعوبات عند هذا، بل أن "كريس" الصغير هو ابن لـ"كريستيان" الذي رافقه إجرامه طيلة الوقت، هو الفتى الذي مارس الحب مع "مايا" لينعما بـ"كريس" الصغير، فتى لا يشغل باله سوى عمليات السرقة التي يُتمها مع حفنة الأوغاد التي تلازمه، ويرى أن "كريس" الصغير أبكمًا أحمق لا يستحق ذرة اهتمام، وهنا "مايا" تواجه وتخوض وحدها مثلما اعتادت، هي دومًا وأبدًا قادرة على الخوّض بمفردها، مهما تعددت المواجهات وزادت العوائق.

تعمل "مايا" بمركز لخدمة الإعانة الاجتماعية، لتتحصل على ما يعينها على حياتها، وهناك تتعرف على "يانوش"، أحد المسؤولين بالمركز، والذي نراه يحاول معاونة كل من غدرت بهم ظروف الحياة وتلاعبت، إمرأة مُطلقة، زوجة رجل سكير، إمرأة سُجن رجلها، وغيرهم من مثل هذا النوع، "يانوش" هو شخصية محترمة في جُلّ تفاصيلها، ورغم هذا تعامله "مايا" بسلاحها العتيد، الفظاظة في كل ما يصدر عنها، مما سيجعل تطورات العلاقة بينهما، وتغير ردود أفعال "مايا" معه بين الفينة والأخرى، أمر جميل ومخترق لأعماق المشاهد ببساطة وسلاسة فريدة، ورغم أنه في أول لقاء بينهما، ستسرق "مايا" حافظته، إلا أنه يرفض أن يحكم عليها حكمها النهائي، وسيتخذ معاونتها جانبه المختار.

ستعرف "مايا" من "بوب"، إحدى الملتحقات بمركز خدمة الإعانة الاجتماعية، أن المركز قد يقدم لها نقودًا تفتتح بها مشروعًا، تسدد أقساطه من أرباحه، فقط إن راقتهم فكرة المشروع وقبلوا بها، وعليه تتوجه "مايا" إلى "يانوش" وتطرح عليه فكرة مشروع "المغسلة"، وقد وجدت في هذه الفرصة طوق النجاة، الذي قد تبحر من خلاله إلى شاطئ الاحتفاظ بحضانة ولدها، وإخراجه من المركز ليعيش في دفء أحضانها، فأملها الأكبر، أن يشاركها "كريس" حياتها، وأن يغمرها بابتسامته، حين تغمره بحنانها، هي ستجد سُبل التواصل معه، وهي أقدر من ألف مركز ومركز للرعاية على احتوائه ودفعه لمواجهة الحياة وصعابها، ومَن مثلها واجه مثل هذه الترهات.

وتبدأ "مايا" رحلة مشروعها، وقد عقدت النية والعزم، أن "كريس" سيكون لها، وبين معاونة "يانوش" ومضايقات "كريستيان" الدائمة ومحاولاته العديدة لإتلاف مشروعها، وبين ضعف ذاتها نفسه خلال عدة مواقف، كاد أن يُخل بكل ما شيدت لأجل مبغاها، نشهد الرحلة بتطوراتها ونضال الفتاة لضم حضانة والدها، ونتعايش تمامًا بمواقف رحلتها، ونتورط معها في ثالوث الحب الفريد هذا مع "يانوش" و"كريستيان"، وسنختار معها أو نرفض.

ربما القصة تبدو اعتيادية وقُدمت كثيرًا، لكن قطعًا هي تحمل من الاختلاف ما لا يُستهان به، فربط افتتاحية الفيلم بخاتمته جاء عبقريًا، وسيقحمك في حالة غير طبيعية من تشرب الفيلم كليًا خلال لحظات، وبشكل مكثف عجيب.. مجريات خاتمة الفيلم غير متوقعة بالمرة، وستفاجئك دفة الأحداث بعكس ما تنتظره، غير تاركة لك الفرصة بالاعتراض أو الموافقة، فقط المعايشة والشعور بوطأة الأمر ووقعه، وهي لعمري أفضل درجات الإجادة برأيي.

السرد في الفيلم جميل، ولوازم السيناريو شاعرية رائعة، من بطاقة معايدة الوالدة، لحافظة "يانوش"،-وهي لازمة راقتني كثيرًا، لأنها رغم اعتيادتها في مثل هذا النوع من الأفلام، إلا أن طريقة السرد في الفيلم، ووقت ظهور اللازمة، جعلها مفاجئة ومحببة جدًا للمشاهد- إلى فظاظة "مايا" في كثير من ردود أفعالها بروحها المرحة ونظراتها الثاقبة، إلى بسمات كريس البريئة التي تقتلع قلبك من صدرك.. لوازم عديدة بالسيناريو نجحت في إفعامه بالدفء رغم صلابة قصصه، وهو أمر تستحق عليه لي لي هورفاث -كاتبة الفيلم ومخرجته- رفع القبعة احترامًا، فإدارتها للفيلم ومجريات السيناريو كانت سلسة، واقعية، مُحكمة، وذكية جدًا.

وسأخُص بالذكر الممثلة الشابة كينجا فيسي، التي كانت بغاية الجمال، الفتاة تؤدي شخصية ليست بهينة، وتؤديها بتلقائية مذهلة، الفتاة نظراتها مخترقة وثاقبة لأبعد الحدود، في فظاظتها، في حنوها، في غرامها، في إغوائها، نظراتها تحمل كل المعاني بشكل مبهر، وفي أعينها يمكنك استنباط جميع الحكايات، كذلك نبرة صوتها باختلاف المواقف تختلج بنفسك وتُطلي عليك شعورها تمامًا، أعجبتني للغاية وأراها ممثلة متميزة جدًا، تحَكُمها بنظرات عينيها ونبرة صوتها وتلقائية ردود أفعالها ممتازة، نظرات إغوائها لـ "يانوش" كاسحة وتنسيك تمامًا فظاظتها معه طيلة الفيلم، نظراتها مع "كريس" تغمرك برقة لا تُحتمل، نظراتها وهي تُلقي ردودها الفجة وتراقب رد فعلها من أمامها، تحمل من خفة الروح ومرحها كثيرًا في تناقض يذهلك.. الفتاة جميلة هيئًة ومضمونًا، وستجعلك تعشق "مايا" دون أن تبذل جهدك لذلك.

الفيلم جميل، شاعري، بسيط، ويحمل في طياته الكثير من ترهات الواقع بمنتهى السلاسة، سرده البسيط وشخصياته المرسومة بعناية – خاصًة "مايا"- ستدق أبوابًا عديدة بداخلك، وسيروقك كيف لهذه الفتاة أن تواجه كل هذه المؤرقات، بشاعرية جميلة اقتلعتها هي من براثن الحياة بأقل الأدوات والمشاعر والإمكانات.

"مايا" بعد الفيلم لن تهجرك مثلما فعلت والدتها، وستلازمك طويلًا بروحها الجميلة وتفاصيلها اللطيفة وشاعرية مواجهتها للحياة، وإصرارها على أن يكون "كريس" بين أحضانها.



تعليقات