أحمد عبدالله السيد: "ليل / خارجي" محاولة لإثبات أننا لا نزال قادرين على صناعة أفلامنا بنفسنا

  • حوار‎
  • 01:08 مساءً - 13 سبتمبر 2018
  • 6 صور



هو المخرج المصري الأكثر حضورًا في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، فهذه مشاركته الخامسة في المهرجان الذي حضر له من قبل بـ "هليوبوليس" و"ميكروفون" و"فرش وغطا" و"18 يوم". وهو المخرج الأنشط بين تيار السينما المغايرة أو البديلة أو المستقلة، وهو صاحب تجربة تستحق التقدير على مستوى شكل أعماله ومضمونها. بين العروض الكثيرة المتتالية لفيلمه الجديد "ليل / خارجي" في مهرجان تورنتو الثالث والأربعين، كان لنا لقاء مع المخرج أحمد عبدالله السيد للحديث عن الفيلم.

"ليل / خارجي" هو أكثر أفلامك حتى الآن كلاسيكية في الشكل، هل سبب اتجاهك نحو الكلاسيكية بعد الكثير من التجريب هو السيناريو الذي وجدت فيه عناصر جذابة؟ إم إنه قرار اتخذته مسبقًا؟

ما أحاول تحقيقه دائمًا أن يكون شكل السرد ابنًا للمشروع ككل، وليس فقط النصّ، ابن للمشروع بموضوعه وممثليه وظروفه الإنتاجية والفترة التي يُصنع فيها. أعتقد أن كل هذه العوامل تضافرت هذه المرة ليخرج الفيلم بهذه الصورة، لكنّي لم ألق على نفسي السؤال بنفس الطريقة من قبل، ربما لاحقًا أربط الفيلم بمشروعي السينمائي بشكل آخر.

ما كنت أقصده إننا لو قارننا الفيلم الجديد بـ "فرش وغطا" مثلًا، ورغم عدم وجود تنافر في جوهر العملين، إلا أن الأمر يبدو وكأنهما فيلمين موجهين لجمهورين مختلفين بشكل كبير.

بالفعل لدي رغبة بدءًا من "ليل / خارجي" أن أصنع أفلام قادرة على الوصول لعدد أكبر من المشاهدين، أفلام لها أرضية جماهيرية أوسع؛ لهذا أحبب هذا النص. كنت أحاول كتابة سيناريو عن نفس الموضوع تقريبًا عندما عرضه عليّ المؤلف شريف الألفي، فقلت له أنني أحاول العمل على نفس الفكرة، واقترحت عليه أن نزاوج الفكرتين ونرى ما سيحدث فوافق واستمع واستخدم عددًا من أفكاري في تطوير السيناريو. لكن الهدف الأول كان تقديم أفلام لها قبول جماهيري أوسع، وهو ما بدأته بالمناسبة مع "ديكور" الذي ربما ضم بعض العناصر التي لم تجعله يحقق هذه الجماهيرية.

التجربة الإنتاجية للفيلم أيضًا تستحق التوقف، فهو فيلم صُنع في هدوء ودون الكثير من مصادر التمويل. كيف تحرك المشروع إنتاجيًا؟

كانت لدي رغبة أن أثبت لنفسي أننا لا زلنا قادرين على صنع أفلام حتى لو لم يتوفر أي مدخلات مالية من خارج مصر، ليس لأي أسباب قومية ولكن لما يتعلق بظروف الإنتاج المحلي، بمعاناتي أنا وصناع الأفلام الآخرين لنقدم أفلامنا خاصة لمن ليس له رصيد واسع مع المؤسسات الدولية وصناديق الدعم. الهدف الثاني للتجربة كان ألا أتعاون مع شركات إنتاج كبيرة رغم أن بعضهم كان متحمسًا للمشروع. قررت أن أثبت لنفسي وللآخرين أن شركة صغيرة مثل حصالة، برأس مال متواضع، يمكنها أن تبدأ الفيلم ثم تكون باقي العناصر في طريق الإنتاج. طريقة أجربها للمرة الأولى: كلما كنا مستعدين لتصوير يوم أو اثنين نقوم بتصويرهم.

في جميع أفلامك بلا استثناء هناك حضور مادي للكاميرا، هناك شخصية تعمل بالتصوير أو على الأقل تمسك كاميرا لتصوّر ما يجري أمامها. الأمر أقرب بأن يكون هوس متكرر في أعمالك، عندما أفكر فيه ربما أعتقد أنه يرتبط بسيرتك الشخصية كفنان وصانع أفلام يحاول استخدام الكاميرا في نقل واقع بلد يكره التصوير. ما تعليقك؟

البذرة الأساسية للفيلم الجديد كانت رغبتي في عمل فيلم عن رهاب الكاميرا في القاهرة، صحيح أن الفيلم تحول مع العمل عليه لتيمة أخرى، لكن أصل الموضوع لدي كانت تلك الرغبة. عن تفسيرك لتكرار ظهور الكاميرات أزعم أنني في كل أفلامي أحاول حكي قصص شخصية، مررت بها أو عرفتها، وهو ما يتكرر في "ليل / خارجي" الذي يمكن القول أن كل موقف فيه إما سبق وقد مررت به أو مر به المؤلف شريف الألفي.

لستما وحدكما، تقريبًا لا يوجد منّا من لم يمر بأحد مواقف الفيلم الذي يحلل بذكاء الصراع الطبقي والاجتماعي والجندري في مصر، والملفت هو إنه بالرغم من وجود القمع المؤسسي في خلفية الأحداث، إلا أنك تركز على ما هو أعقد: القمع المجتمعي في مدينة كل من فيها يحاول أن يقمع الآخر ويفرض نموذجه الأخلاقي والحياتي عليه.

صحيح، لا أتطرق في هذا الفيلم إلا لعلاقة هذا المجتمع بنفسه، وأحيل اخفاقات كثيرة مررنا بها في السنوات الماضية بعلاقة أفراد هذا المجتمع ببعضهم البعض: الطبقات، الرجال بالنساء، الكبار بالشباب. هذه الديناميكية لا تعمل بشكل سليم في مصر وبالتالي تتسبب في أغلب مشكلاتنا. ليس لدي إجابة واضحة، ولكن على الأقل كان لدي رغبة في عمل فيلم يتأمل هذه الحالات.

هذه الحالات تستحق تحية لإجادة رسمها، سواء في امتلاك كل منها لنقاط قوة وضعف يتحدد موقفه من الآخرين، أو من وجود شخصية مثل جيمي الرافض لهذا التوافق المُدعى، هو خارج كليًا عن السياق الذي يحاول المجتمع فرضه عليه.

ملاحظة سليمة جدًا، وكان هدفنا بالفعل أن تكون هناك شخصية مرجعية، تخبرنا أنه ثمة أشخاص يرفضون الانخراط داخل هذا الصراع ومع ذلك يحافظون على سعادتهم. جيمي لا يريد أن يدخل هذه الخناقة، لديه أمور أخرى يهتم بها. وكان تركيزنا من البداية أن يكون سنه أصغر من الجميع بشكل واضح لدرجة تكاد تجعل الأبطال الثلاثة الذين ينتمون لجيلين أكبر عاجزين عن التواصل معه بشكل كامل.

لا أعتقد أن هناك أنسب من أحمد مالك للعب هذا الدور، وعمومًا اختيار الممثلين في الفيلم موفق جدًا، كيف كونت فريق فيلمك من الممثلين؟ القاعدة التي وضعتها للاختيار أن يكون الممثلين متفهمين لظروف الإنتاج الصعبة التي نعمل فيها، ومستعدين للعمل بشكل مرن وفقًا للمواعيد المتاحة، وأن يكونوا مؤمنين بما يحمله الفيلم من أفكار. بالصدفة كنت محظوظًا في أن عددًا من النجوم كانت تنطبق عليهم هذه الشروط، وأقول أنه لولا دعم كريم قاسم ومنى هلا وأحمد مالك وبسمة وأحمد مجدي وعمرو عابد وكل من ظهر في الفيلم لما كان من الممكن أن يخرج الفيلم بصورته الحالية، ويكفي قبولهم العمل بأجر يقل كثيرًا عما يتقاضونه في أعمال أخرى. كان لديهم من الوعي ما يكفي لاستثمار عدة أيام تصوير في فيلم قد يأتي لهم بنجاح أكبر من مجرد الربح المالي، وعندما أرى أحمد مالك الآن ضمن ثمانية ممثلين دوليين فقط تم اختياره ويشارك الآن في برنامج تدريب Rising Stars التابع لمهرجان تورنتو، أشعر بالفخر لأنه أخذ هذه الخطوات التي لم يأخذها ممثل آخر في سنه من ناحية الانفتاح على السوق العالمي.

دعني أعلق إنه حتى ولو كان الاختيار مرتبطًا بالمتاح، لكن لديك في الفيلم تناغم مدهش بين الممثلين، ورأيي أن هذا التناغم إن لم يتواجد لسقط الفيلم بالكامل، فعندما تقضي نحو ساعة ونصف مع ثلاثة شخصيات في رحلة لا يمكن ألا تكون العلاقة بينهم جيدة أمام الكاميرا.

علمًا بأن الممثلين الثلاثة، كريم ومنى وشريف، لا يملكون الكثير من الأرضيات المشتركة، كل منهم آت من عالم مختلف تقريبًا، ولا يشتركون في الأمور التي تقرب ممثلين آخرين من بعضهم البعض. لكن بشكل أو بآخر نشأت بينهم صداقة انعكست على الشاشة.

ننتقل لأحد أفضل عناصر الفيلم وهو شريط الصوت، هذا المزيج بين الموسيقى القديمة والصوفية والشعبية وأغاني البوب مع أصوات الشارع والشجارات والسيارات وغيرها من أصوات ليل القاهرة. ما الأساس الذي استندت إليه بناء شريط الصوت وكيف صممته؟

في معظم أفلامي قمت بالعمل على شريط الصوت خارج مصر، لكنني مجددًا قررت في "ليل / خارجي" الاعتماد على مهندس صوت مصري شاب اسمه محمد صلاح، عمره لا يتجاوز منتصف العشرينيات، بذل في الفيلم جهدًا أكثر من رائع، لكني أؤمن أنها مجرد بداية، وأننا خلال سنوات سنرى منه أشياءً مدهشة في أعمال لاحقة. لم يقدم أي تنازلات على المستوى التقني في مكساج الصوت.

أما على المستوى الفني، فكنت أنوي في البداية أن أصور الفيلم بكاميرا الموبايل، لأنني لاحظت أنه بمجرد وضع كاميرا كبيرة يتغير البشر، في لحظة أن يرى الناس كاميرا ولو فوتوغرافية يختلف المشهد أمامك، بينما كاميرا الموبايل لا تُحدث نفس التاثير لأنها صارت عنصرًا مندمجًا في حياة البشر اليومية. لم أنجح ولجأت في النهاية لكاميرا أخرى لأسباب تقنية، لكني حاولت أن أطبق الفكرة على شريط الصوت بحيث يكون بالفعل هو صوت الشارع في القاهرة، علمًا بأن صوت الشارع المصري ليس هو أغاني المهرجانات التي تم استنزافها وأصبحت كطابع البريد الذي يجب وضعه على كل ما هو شعبي، والحقيقة أن صوت الشارع الحقيقي مختلف، وأغاني لمطربين مثل عمرو دياب يسمعها الجميع من أعلى مستويات الثقافة والتعليم لأقلها، لذا كان اختيار الساوند تراك نابعًا من هذا الفهم.

في الفيلم توليت مسؤولية التصوير بنفسك، هل هذا يرتبط برغبتك في البداية بالتصوير بكاميرا المحمول؟ وما نتائج تحدي العمل كمدير تصوير للمرة الأولى؟

هناك سببان للقرار، الأول هو شغفي بالتصوير الفوتوغرافي وتحديدًا بالكاميرات القديمة التي تعمل بالخام، رغبة أردت أن أطورها لتصوير الفيلم بنفسي. السبب الثاني لوجستي بحت، وهو أن أغلب مشاهد الفيلم تحدث داخل التاكسي، وهناك ثلاثة شخصيات ومكان واحد لجلوس المصور. لم أرغب في أن أسير ورائهم في سيارة أخرى أتابع المشهد وأسمع الصوت على شاشة مونيتور وأوقف السيارات في كل مرة أرغب في الإدلاء بتعليق أو ملاحظة؛ لذا كان وجودي كمصور أمر حتمي. سبب إضافي هو رغبتي في تجربة التصوير بالإضاءة الطبيعية مع استغلال هذا الضوء بشكل معين أخذت وقتًا في دراسته، فكان من الطبيعي لكل ما سبق أن أصور الفيلم بنفسي.

أخيراً.. المخرج في الفيلم يخلطون بينه وبين آخرين طوال الوقت ويسألونه عن أفلام لمحمد دياب وغيره، هي يحدث معك ذلك في الواقع؟

أعتقد إنها تحدث بشكل دائم مع كل المخرجين، كثير من الناس يذكرون وجهك ويعرفون أنك مخرج لكن يصعب عليهم الربط بين ذلك وبين أفلامك فيسألونك عن أعمال مخرجين آخرين. أجد الأمر طريفًا ولا أحمل أي مشكلة تجاهه.




تعليقات