يسري نصر الله في معهد السينما (5) : عن الفن اللي بيتنفس عشان يطرح أسئلة أكتر منه يقول إجابات !

  • مقال
  • 05:37 صباحًا - 4 مايو 2011
  • 1 صورة



المخرج الكبير يسري نصر الله

موقعة الجمل/الثورة/أهالي نزلة السَّمان/فيلم روائي جديد/الأفكار التي يطرحها تأمُّل عميق في صورة بسيطة/عن صبيان وبنان/والمحبّة التي تبقى جزءً من التكوين البشري مهما حاول البعض مداراتها/ومن وراء كل هذا فكرة مُلِحَّة عن الفن الذي "يَتَنَفَّس" فيُجرِّد الأشياء من صورتها السطحية وينظر لأعمق من ذلك بكثير .

عن هذا أتت مُحاضرة يُسري نصر الله هذا الأسبوع بعد تأجيلها الأسبوع الماضي بسبب أعياد القيامة :

كيف أتى تتابع الأفكار والهواجس والأسئلة ، من تأمّل في لقطة بسيطة ضمن فيلمه القصير الذي سيعرض في مهرجان ويحمل اسم "داخلي/خارجي" .. إلى فيلم طويل عن الثورة .. أو بالأحرى عن هؤلاء الذين قامت لأجلهم الثورة ؟!

لم يرغب يُسري في البداية صُنع فيلم طويل عن الثورة بسبب ما أسماه بـ"فوران المشاعر" الذي نشعره جميعاً اتجاه كل ما حدث خلال الأشهر السابقة ، أحداث وتفاصيل غيّرت في وجداننا بقدر ما غيّرت في تاريخ هذا البلد ، ومحاولة السيطرة واستيعاب كل ذلك يجعل من الصعب جداً خروج فيلم إلى النور ، "يمكن حاجة قصيّرة عشر دقايق تتكلم عن نشوة المشاعر والفرح .. بس أبعد من كده .. محتاج شويّة وقت عشان أفهم" !

ولكن كيف تحوّل تأجيل "أعظم مخرج مصري" - من وجهة نظري - فيلمه حتى يَفْهَم ما يحدُث .. إلى أن يُصبح هو ذاته مُحاولة للفهم ؟

بدأ الأمر تحديداً أثناء مونتاج الفيلم القصير ، يقول يُسري أنه في أحد مشاهد "التحرّر" في العمل .. حين تُشاهد بطلته "مشهداً" أيقونياً من الثورة .. تفتح الباب وتخرج من منزلها وتنضم للثوّار في ميدان التحرير ، كان يفكّر في المشهد الذي سيضعه .. الأكثر والأعنف والأكثر ضغطاً من بين كل ما رأيناه جميعاً ، ووصل في النهاية إلى "موقعة الجمل" بالتأكيد .. دخول مجموعة من الجمال والأحصنة إلى ميدان التحرير صباح الأربعاء الثاني من فبراير للاعتداء على "أنبل ما في مصر" - بحسب تعبير هيكل - ، شاهد يُسري كل المشاهد المُتاحة للموقعة .. أعادها كثيراً .. كل لقطة وكل كادر وكل فريم .. ثم ماذا وجد ؟
"أول حاجة لاحظتها .. إن مفيش أسلحة ! ، فيه حاجات من اللي بيمشوا بيها الجمال والأحصنة ، بس مفيش سيوف وأسلحة بيضا وسكاكين ، ثاني حاجة هي لقطة وسط كل ده لشاب رافع يافطة مكتوب عليها "انتخبوا مبارك" ، وبعدين فكّرت .. في موقعة الجمل .. أكتر ناس اضربت وأكتر ناس اتأذت وأكتر ناس تم التعريض بيهم كانوا هما دول .. "البلطجية" اللي دخلوا الميدان عشان يطفشوا اللي فيه ، والسؤال عندي وقتها مكنش عن التجريم الأخلاقي ليهم قد ما سؤال : لمصلحة مين تم تصدير الصورة دي في الإعلام باعتبارهم "الثورة المضادة" ؟ عشان تغطّي على صور تانية أعنف وأكثر قسوة .. لقناصة فوق عمارات بيصطادوا الناس بالليل أو عربية هيئة دبلوماسية ماشية تدوس الناس في الشارع أو ظابط شرطة بيضرب الناس بالنار قدام القسم .. عشان مين ؟!"

يتضاعف تأثير السؤال عند يسري حين يعرف عن طريق أصدقاء له يعملون في إحدى جمعيات الرفق بالحيوان أن أهالي "نزلة السّمان" - الذين قاموا بالاعتداء - كانوا يبيعون حيواناتهم من الجمال والأحصنة خلال الثورة إلى المدبح بأسعارٍ بخسة بسبب عدم قدرتهم على إطعامها .

ويُفَسّر يُسري ما يراه : "سهل إنك توصف الناس دي بالبلطجية والمغيبين واللي مش فاهمين حاجة ، بس الحقيقة إن أنا نزلت الثورة عشان الناس دي وعشان يعيشوا عيشة أحسن ، لما شافوا النظام اللي هما عايشين تحته بيهتز .. كانت الفكرة بالنسبة بغض النظر عن إن ادفعلهم فلوس أو أي حاجة من دي .. إنهم بيدافعوا عن "كبير العائلة" بالنسبة لهم .. الحماية والأمن من وجهة نظرهم ، واللي لما حصل ثورة عليه هما مبقوش لاقيين يأكلوا حتى مصدر رزقهم ، والسؤال الأهم بالنسبة لي من أي حاجة : الناس دي بعد الثورة هتكون فين ؟ ومع مين ؟ وبتفكّر إزاي ؟؟" .

تلك هي النقطة التي بدأ منها يُسري مشروعه الجديد ، "أنا مش عايز أطرح إجابات ، أنا أصلاً معرفش .. أنا عندي حبّة مشاعر على حبّة أفكار على حبّة أسئلة فكّرت أضربهم في الخلاّط وأطلّع فيلم" ، ليصف عمله بأنه الأكثر عشوائية بين كل ما قدمه .. فقد اتفق مع شركة الإنتاج على أنه سيصنعه دون سيناريو ، فقط لديه ثلاث شخصيّات رئيسية مرسومة جيّداً .. أحدهم من نزلة السَّمان .. سيأخذ الممثلين ويضعهم وسط الأحداث ليرى ماذا صَوَّر وعلى هذا الأساس سيقدّم فيلمه ، محاولاً الفهم بقدر ما يحاول التفهُّم : "المشكلة الحقيقية إننا بنتعامل معاهم باعتبارهم "همّا" بعالمهم ووَسَطْهُم وحياتهم البعيدة عننا .. والفكرة إزاي نعرف ونصدّق فعلاً إن ده "إحنا" وإن "الناس دول" هما "جزء مننا" عشان ببساطة إحنا في مركب واحدة" .

وَوَصَّف يُسري تجربة عمله لفيلمه الجديد بأنها شبيهة إلى حدًّ ما بتجربة صناعة فيلمه التسجيلي " صبيان وبنات" عام 1995 في ذروة الأصوليّة الدينية في مصر ، ويُفَسّر : "كان معايا حاجة .. فكرة عن اللي عايز أوصّله ونزلت وسط الناس من غير ما أعرف بالظبط إيه اللي هيحصل ، وفي الآخر بقى معايا حاجة تانية خالص" ، ليقوم بعد ذلك بعرضِ الفيلم لمناقشته مع الطلاّب .

بعد الفيلم رَوَى يُسري كيف بدأ كل شيء عبر التأمل في موقفين متتاليين ومتناقضين تماماً ، الأول : حين خرج عبود الزّمر من السجن لأول مرة منذ اغتيال السادات لمقابلة وزير الداخلية وقتها ، ودخل عليه المكتب سعيداً ومبتسماً بشدة وحين سأله الوزير عن السبب في ذلك .. رد عبود "عشان انتصرنا .. كل الستات في الشارع بقوا مُحَجَّبات" ! ، والموقف الثاني كان قضية كبيرة في فرنسا منتصف التسعينات حين تم منع بنت مُحَجّبة من دخول المدرسة والقرار بطردها بسبب قرارها الشخصي بارتداء الحجاب .

الموقفان برغم تناقضهما الظاهري ، إلا أن النقطة التي تجمعهم هي "القهر الجمعي للاختيارات الفرديّة" ، ومن هنا بدأ الفيلم .. مُحاولة للاقتراب من مُجتمع وبيئة وأناس ليسَ منهم ولكنه يرغب في أن يفهمهم .

"صوّرت الفيلم مع أسرة باسم سمرة وزمايله في المدرسة اللي كان شغّال فيها قبل ما يحترف التمثيل ، كنت حريص طول الوقت على إني أصوّر معاهم بكاميرا ظاهرة وفي وجود أشخاص آخرين يعرفوهم ، تفتكروا بعد ما شفتوا الفيلم ده ليه ؟" يسأل يُسري ، "عشان موضوع الفيلم بالنسبة لي بالأساس عن "الصورة" اللي حابّين نورّيها للتانيين عننا ، وعن التمرّد على المجتمع من خلال التفاوض معاه" ، يُجيب ثُمّ يُضيف مُفسّراً : "لما أصوّر مع بنت قدّام أبوها وأمها وأخواتها .. أنا عايزها تتكلم وتقول الصورة اللي نفسها تظهر بيها قصاد العالم ، بس في نفس الوقت في جزء منها هي بتتمرّد عليهم .. بتتفاوض معاهم من خلال كلامها عن نفسها عن اللي هي عايزاه أو بتفكّر فيه ، والفيلم طِلع عن ده .. عن التمرّد الذاتي البسيط على المنظومة والشكل اللي نحب الناس يشوفونا عليه من غير ما يستنكروا تصرفاتنا ، وفي جزء أعمق يمكن هو عن حُطّ حجاب شيل حجاب ربّي دقن أو لأ .. البني آدمين في الأساس احتياجاتهم ومشاعرهم واحدة مهما حاولوا يخفوها .. وده اللي وصلتله وفهمته من الفيلم ده" .

ويقول يُسري أنه شعر أن الفيلم جيّد وناجح بالفعل حين عرضه في فرنسا ، فقامت إحدى المتفرّجات الفرنسيات وهاجمته بشدة لأنه عرض "الناس دول" بدمٍ خفيف وروحٍ مرحة وطيّبة ، كانت تريد أن ترى نساء متمرّدات ضد المجتمع .. "زي احكي يا شهرزاد" تسقف له وترضى عنهم وعن نفسها ، ولكن الحقيقة أن فيلم كـ"صبيان وبنات" أصدق وأقرب بكثير : لقد شَعَرَت السيّدة الفرنسيّة بالغضب لأن التعميم سهل .. ولأن الفيلم كَسر هذا التعميم .. لم تعد تستطيع بينها وبين نفسها أن تتعامل مع النساء المحجّبات باعتبارهن "متخلفات" ، فقد أَصْبَحَتْنَ من "لحمٍ ودم" بعد الفيلم ، "وهو ما أريد تحقيقه في فيلمي الجديد .. ألا يَصِير الآخر هو "الناس دول" وأن نُدرك أن "دول" هما "إحنا" .



تعليقات