مسافة بين أنور وجدي وأفلامه

  • مقال
  • 09:29 صباحًا - 27 يوليو 2010
  • 3 صور



صورة 1 / 3:
أنور وجدي
صورة 2 / 3:
أنور وجدي وليلى مراد
صورة 3 / 3:
أنور وجدي

تقول أكثر المصادر بأن الفنان الراحل أنور وجدي وأسمه الحقيقي أنور يحيى العتال قد ولد عام 1904 وتحديدا في يوم 11 من الشهر العاشر، وهو اليوم الذي غزت فيه ايطاليا شواطىء ليبيا، وهددت الدولة العثمانية بإخراجها من المنطقة، رغم محاولات التكاثف في أكثر الدول العربية والتي كانت تتبع الدولة العثمانية.
يعود مولد يحيى العتال الأب الى دمشق، فهو شامي هاجر الى القاهرة طلبا للرزق وتزوج من دمشقية أيضا وعاش حياة متوسطة اجتماعية وماديا حتى أنه أدخل ابنه أنور المدرسة الفرنسية والتي تعلم فيها المخرج حسن الامام والفنان فريد الأطرش والمطربة أسمهان والفنان نجيب الريحاني وكانت تسمى مدرسة "الفريد".
غير أن انور وجدي لم يستمر طالبا، فقد اتهم بأنه حاول الهجرة الى امريكا ومعه عدد من التلاميذ، بقصد الوصول الى أرض النجوم هوليوود.
رغم ذلك فقد اتقن خلال دراسته اللغة الفرنسية، وهذه مسألة مهمة جدا صاحبت تطوره النفي حيث نجد أن معظم الفنانين الناجحين قد اتقنوا هذه اللغة أو غيرها من اللغات الأوروبية.

عاش أنور وجدي أصبح ينعت بالصعلوك بعد أن طرد من بيته بسبب اختياره لمهنة التمثيل، وتسلل الى المسرح واختار لقب وجدي لكى يقترب من قاسم وجدي المسؤول على الممثلين الكومبارس والذي كان مدرب للتمثيل أيضا، وبالفعل استطاع أنور وجدى الدخول الى عالم المسرح بالتدريج ثم عالم السينما، وكان ل يوسف وهبي دورا مهما فى ذلك وكذلك كان للمخرج زكي ظلمات الدور الأهم، وقد أشتهر مسرحيا في دور عباس في مسرحية "الدفاع" ليوسف وهبي 1931.

ورغم عمله في فرقة " رمسيس" إلا أنه طرد منها بسبب عمله مع جهات أخرى، وبالفعل فقد عمل أنور وجدي في الإذاعة مؤلفا ومخرجا وقدم بعد ذلك مواقف خفيفة مسرحية من إخراجه وكتب نصوصا وقصصا نشر بعضها في المجلات الصادرة في تلك الفترة، لم يتمكن من السفر الى امريكا الجنوبية لتقديم بعض العروض، لكنه سافر الى فلسطين وعرض مع الفرقة القومية عدة مسرحيات.

الأهم فعليا هو نظرة أنور وجدى الى السينما، فهو لا ينظر الى المسرح إلا جزئيا، ولذلك كان يرتب هندامه لغرض السينما وربما وجد فى نفسه بعض الوسامة لاسيما شعره الغزير الأسود الفاحم الذى يشبه بعض نجوم هوليوود.
ربما يبدو في الظاهر بان أنور وجدي له قدرة على اختراق الجماعات الفنية والاقتراب منهم والتعرف على المبرزين فيهم، وهذا صحيح. وكان ذلك يتطلب موهبة وكفاءة واضحتين، ولعل كتابة أنور وجدي لبعض القصص السينمائية قد ساعده على اختراق السينما، فكتب قصة فيلم " تاكسي حنطور" لأمين بدر خان 1944، كما كتب قصصا لبعض أفلام إسماعيل ياسين.
أول فيلم عمل فيه أنور وجدي كان بعنوان "جناية نص الليل" للمخرج محمد صبري إنتاج عام 1930. لكن وكما يقول المؤلف محمد عبد الفتاح في كتابه "سينما أنور وجدي" تتجاهل الكتب هذا الفيلم.
من أوائل الأفلام المعروفة فيلم "الدفاع" ليوسف وهبي 1935 ثم فيلم " أولاد الذوات" والذي طرد منه وتم إلغاء دوره من قبل المخرج محمد كريم، ويكشف كل ذلك عن رغبة عنيفة للممثل أنور وجدي في الظهور ولفت الانتباه ومحاولة سرقة الأضواء مما يعكر صفو إدارة الإنتاج ويزعج أي مخرج أحيانا.
من أدواره الصغيرة المعروفة دور كومارس في فيلم" نشيد الأمل"عام 1937 للمخرج أحمد بدرخان، ثم فيلم "بسلامته عاوز يتجوز" للمخرج الكسندر فركاش 1936
ومن أهم المخرجين الذين عمل معهم أنور وجدي المخرج عبد الفتاح حسن والمخرج استفان روستي و أحمد جلال و أحمد سالم.
إلا أن المخرج الأهم كان توجو مزراحي الذي قدمه في فيلم " ليلى بنت الريف" عام 1941 ثم المخرج أحمد بدرخان في فيلم "انتصار الشباب" عام 1941
هناك بعض الأفلام غير المعروفة كثيرا، وربما كان لفقدانها وعدم إعادة عرضها والسبب في انها مجهولة، ومن ذلك فيلم" امراة خطرة" و" صلاح الدين الايوبي" و" مصنع الزوجات". وقد كان الممثل انور وجدي في مرحلة معينة سينمائيا مجرد شاب عابث، يقف خلف بعض الأبطال مثل محمود ذو الفقار و حسين صدقي و حسين رياض وغيرهم.
مرة أخرى توجو مزراحي يقدمه فى أكثر من فيلم، والأهم كان فيلم " ليلى في الظلام" عام 1941 مع ليلى مراد ثم فيلم " غرام وانتقام "مع فريد الأطرش و أسمهان للمرة الثانية وبقيادة المخرج أحمد بدرخان.
توالت الأفلام الى حين إنتاج فيلم " ليلى بنت الفقراء"عام 1945 وهو من إنتاج شركة أنور وجدي، كما أنه كتب القصة واخرج الفيلم وقام بالتمثيل مع المطربة ليلى مراد والذي شكل معها ثنائيا ناجحا.
على المستوى الشخصي، وعندما أعود بالذاكرة الى تلك الأفلام التي كانت تعرض في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، عندما أعود الى تلك العروض، سوف نجد موقعا غريبا لهذا الممثل فى الذاكرة.
نعم هناك بعض الممثلين الذين يمكن اعتبارهم أكثر قربا للمتفرج بسبب طبيعة أدوارهم والهيئة التى ظهروا بها على الشاشة.
بكل تأكيد سوف نجد ممثلا مثل يحيى شاهين أكثر التصاقا بالمتفرج بسبب تنوع أدواره وبسبب شكله القريب الى الأفراد العاديين سوف نجد أيضا ممثلا مثل عماد حمدي وإن كان يعد متأخرا زمنيا.
هناك الممثل فريد شوقي وشعبيته قادمة من أدواره الشعبية وطبيعة البطولة التي يقوم بها. هناك محسن سرحان وهو ممثل تقليدي، ظل بطلا ولم يصل الى مرحلة النجومية. هناك بعض المطربين، كانوا أكثر نجاحا مثل فريد الأطرش و كارم محمود و محمد الكحلاوي و عبد الغني السيدوغيرهم.
والحقيقة أن الممثل أنور وجدي كان لامعا وبراقا ويشعر المتفرج أحيانا بأنه ينتمي للسينما هوليوود، فهو أقرب الى الممثل بدرلاما مثلا. إلا أنه أيضا يتصف بخفة دم واضحة ولاسيما في أدواره الأخيرة.
وبالتالى فهو نجم يهبط عليك من السماء ولا يكاد يقف على الأرض.
يرتبط اسم"أنور وجدي" بفيلم شهير وهو" أمير الانتقام"للمخرج بركات انتاج عام 1950. وهو فيلم جمع عددا من النجوم، ومنهم فريد شوقي و محمود الميلجي و كمال الشناوي. بالإضافة الى سامية جمال و مديحة يسري، وهذا الفيلم يعد من كلاسيكيات السينما العربية، ورغم أن القصة الأصلية أجنبية وهي رواية تاريخية للفرنسي" اسكندر ديماس". إلا أن هناك حرفية واضحة في تعريب أو تمصير الرواية من خلال سيناريو ل هنري بركات وحوار ل يوسف جوهر و يوسف عيسى وبركات نفسه.
على مستوى الشخصي. أذكر جيدا أني شاهدت هذا الفيلم أربع مرات ليست متتالية، ولست أدري سببا لذلك، إلا القول بأن القصة تعالج فكرة الانتقام التدرجي والبسيط غير العنيف من قبل رجل بريء زج به في السجن بسبب التنافس على المال وانتزاع السلطة التجارية.
في هذا الفيلم، يبدو أنور وجدي ممثل "هيئة"، فهو ضعيف على مستوى الأداء ويستخدم الطريقة الاستعراضية في التأثير على المتفرج. رغم ذلك فهو ليس مسرحيا ويعتمد على جاذبية خاصة، لأنه يقدم الضُعف مع القوة فى نفس الوقت.ولعل هذا الفيلم من أكثر أفلام الممثل نجاحا.
بكل تأكيد هناك أفلام أخرى، وسوف نذكر بعض هذه الأفلام مثل ياسمين والذي حاول فيه أن يكون أقرب الى تشارلي شابتن، فهو ليس الممثل فقط ولكنه المخرج الذي يجيد توظيف المأساة والتراجيديا والكوميديا والأغنية والرقصة في دائرة واحدة.
من الأفلام الناجحة" دهب" وهو أول الأفلام التي قدمت الفتاة الصغيرة، والتى اعتبرت معجزة في حينها "فيروز".
يستفيد المخرج أنور وجدي من الممثلين، وعلى رأس من استفاد منهم إسماعيل ياسين في التمثيل والغناء، كما انه استفاد من الياس المؤدب و حسن فايق و عبد الفتاح القصري و شكوكو و زينات صدقي.
كما لا ننسى أن أنور وجدي مخرج قد قدّم أفضل أفلام نجيب الريحاني وهو " غزل البنات" بالإضافة الى الفيلم الشهير" حبيب العمر" وفيلم" قلبي وليلى"، ثم فيلم " 4 بنات وضابط "وفيلم" فاطمة "مع أم كلثومللمخرج أحمد بدرخان من ناحية شخصية لا أذكر له فى تلك الفترة إلا فيلم ياسمين والذي اضحك وأبكى الجمهور في نفس الوقت.
ولا ننسى أن المخرج صلاح أبو سيف قد استفاد من نجومية أنور وجدي فقدمه في فيلمين شهيرين وهما " ريا وسكينة" وكذلك فيلم" الوحش"، وهما من أفضل أفلام المخرج، رغم أن هناك مغامرات كثيرة في الفيلم ومقدار كبير من الحركة.
يبقى المخرج والممثل أنور وجدي من أشهر العارفين بطبيعة الجمهور، فهو يهتم بالاستعراض والغناء، ولاسيما الفرق الأجنبية وهو قد قدم ليلى مراد في أفضل أدوارها وكذلك فعل مع المطربة شادية و نعيمة عاكف.
اليوم وعندما تعرض بعض الأفلام مثل"غزل البنات" أو "حبيب العمر" أو" ياسمين" يستغرب المتفرج من هذه الحيوية التي ترافق هذه الأفلام ويستغرب من هذا الحس التجاري الناجح الذي جمع فيه أنور وجدي بين الإخراج والإنتاج والتمثيل وسيطر بالتالي على مرحلة معينة من عمر السينما العربية في مصر، وما زال يسيطر الى حد الآن بحكم نجاح العروض المكررة للأفلام في القنوات الفضائية المتخصصة وغير المتخصصة.
كانت آخر أفلام أنور وجدي ممثلا" جنون الحب" "1955" للمخرج محمد كريم وبعدها لم يعش طويلا.
إلا ان نجوميته زادت مع مرور الأيام الناقد والباحث السينمائي محمد عبد الفتاح سبق له أن أصدر عدة كتب حول بعض الشخصيات السينمائية ومنها إسماعيل ياسين وحسن الامام ونيازي مصطفى وها هو يصدر كتابه عن أنور وجدي.
ولا شك أن الناقد محمد عبد الفتاح من النوع الجاد الذي يتلمس كل الخطوط من أجل إنجاح كتبه وليس بالغريب إذن أن ينال جائزة الدولة عن كتاب نيازي مصطفى.
في هذا الكتاب يستخدم الباحث نفس الطريقة فيربط أحيانا بين العام والخاص ولاسيما من حيث الولادة والنشأة، كما انه يولي اهتمامه بالبدايات الأولى ويستخلص أهم الملامح لسينما شخصياته ممثلا أو مخرجا، كما أن يقدم مسرد بأهم الأعمال في نهاية الكتاب ويستفيد من المراجع والمجلات القديمة وأحيانا بعض الكتب والمقابلات والأحاديث الرئيسية والهامشية. ونقصد بالطبع كتابه عن أنور وجدي.
لا يذكر الباحث الجزئيات التي لها علاقة بالصراعات الشخصية وكذلك لا يهتم ببعض الجوانب العاطفية ويضع اهتمامه فقط بالأعمال وتفاصيلها وما يخدم الجانب الفني في صفحات تجاوز "360" صفحة جاء هذا الكتاب "سينما أنور وجدي" عن سلسلة آفاق السينما وهو يحمل رقم 58 من السلسلة.
الغلاف جاء جميلا من حيث التكوين واختيرت صورة من فيلم "أمير الانتقام" فيها الكثير من السحر والغموض.
أهم باب فى الكتاب هو الباب الثالث "سينما المخرج والمؤلف" حيث أن أنور وجدي قد نجح ممثلا أولا ثم نجح أيضا باعتباره مخرجا عرف الطريق الى الجمهور بكل بساطة.
كانت الثقافة الفرنسية عاملا مساعدا لأنور وجدي، بالإضافة الى تجربته فى التمثيل واستفادته من توجو مزراحي وكذلك يوسف وهبي.
أنور وجدي مخرا بسيط لكنه موهوب فهو يقدم ما يرضي الجمهور من دراما لها علاقة بالعواطف بالدرجة الأولى ويستخدم الأطفال من أجل الوصول الى الجمهور. كما انه يستخدم المرح والكوميديا والرقص والغناء والأهم تيمة الغني والفقير، فهو المتشرد الصعلوك الذي يكسب عطف الناس كما في "ذهب وياسمين".
لا شك أن أفلامه مع ليلى مراد كانت ناجحة جدا، لأن الأفلام التي برع فيها مخرجا كانت بمشاركتها. كما أن بعض الشخصيات قد عملت معه بشكل مستمر، ومن ذلك المونتير كمال الشيخ والمؤلف أبو السعود الأبياري.
أهتم أنور وجدي كثيرا بالرقص والغناء وكانت اللوحات الاستعراضية من أشهر ما عرف به، وكانت الديكورات ضخمة، فضلا عن الاهتمام بالملابس وبذلك كان منتجا لا يبخل على أفلامه، مع ذكاء واضح في إيجاد الحلول لبعض المشكلات أثناء التصوير.
في كتابه يسعى الناقد محمد عبد الفتاح الى دراسة بعض الأفلام لأنور وجدي وربما محل الأفلام، مثل"غزل البنات" و"حبيب الروح" و" عنبر" و" قطر الندى" وأفلام أخرى مثل "ياسمين" "ذهب"وغيرها، ومجمل ما يمكن استخلاصه ان الوصف للناقد يبقى خارجيا، فلا تحس أن هناك تعاطفا مع الشخصية المختارة وهذه مسألة مهمة في الكتابة عن الشخصيات بشكل عام، بحيث يبقى الباحث محايدا نسبيا فلا يضع نفسه فى مواجهة مع الشخصية أو شديد الحساسية والتعاطف معها.
لقد أصدرت المهرجانات السينمائية في مصر العديد من الكتب حول شخصيات سييمائية عديدة، وخصوصا المهرجان القوى للسينما المصرية الذى كرم عشرات الشخصيات وأصدر كتابا بالمناسبة، ربما تكون هي الأهم.
كما أن مهرجانات أخرى مثل القاهرة السينمائي وكذلك مهرجان الإسكندرية قد أصدر أيضا كتبا من نفس النوعية تقريبا.
ولكن مجمل هذه الكتب لها طابع تكريمي وخالية من وجهة النظر الا القليل، وهي ليست شاملة أو كاملة، وبالتالي ستجد أن الكثير من الممثلين لم يصدر عنهم كتب متميزة، وهذا ينطبق على الممثلات أيضا، فضلا عن المخرجين ولقد حاولت البحث عن كتاب شامل ودقيق حول الممثلة فاتن حمامة فلم أجده.
وهذا ما ينطبق على نادية لطفي و هند رستمو مريم فخرالدين و شادية و كوكا و عقيلة راتب و ماجدة و سميرة أحمد و سعاد حسني، فضلا عن كمال الشناوي و رشدي أباضة و شكري سرحان ومحمود الميلجي و حسين رياض ويحيى شاهين والقائمة تطول لتشمل المخرجين وكتاب السيناريو ولا سما الرواد الأوائل، فأين هو البحث واين النقد السينمائي من كل ذلك؟ ان كتب الناقد محمد عبد الفتاح هي الأجوبة لهذه الأسئلة ونحن ننتظر كتبه القادمة ولعل الانتظار لا يطول

وصلات



تعليقات